رمي المنجنيق على حكومة أبو مازن وخارطة الطريق..

 

رمي المنجنيق على حكومة أبو مازن وخارطة الطريق

بقلم جهاد علي

بعد خلاف امتد عدة أسابيع بين قطبي السلطة الفلسطينية عرفات وأبو مازن ، وبعد ضغوط أمريكية وصهيونية وعربية رسمية على عرفات ، ولدت حكومة أبو مازن ، التي يراهن عليها أمريكيا وصهيونيا في نزع سلاح المقاومة ، وتدمير بنيتها التحتية ، بغية إسقاط خيار المقاومة من أيدي الفلسطينيين ، في محاولة لفرض الاستسلام عليهم ، ويبدو أن حكومة أبو مازن قد قبلت بالدور المرسوم لها ، كما يبدو أنها عاقدة العزم على نزع سلاح المقاومة ،انطلاقا من بيانها الوزاري وقبولها بـ ( خريطة الطريق ) ، رغم عدم موافقة حكومة شارون عليها لغاية الآن .

ومن الجدير ذكره ، بأنه لاول مرة منذ إنشاء السلطة ، يتم استحداث منصب رئيس الحكومة ، وجاء استحداث المنصب ، استجابة لضغوط أمريكية وصهيونية ، في إطار ما يسمى بعملية إصلاح السلطة ، التي تتلخص في إبراز قيادة بديلة عن عرفات ، ممثلة بالثنائي أبو مازن ـ دحلان واعادة بناء الأجهزة الأمنية ، ووضعها تحت قيادة دحلان ، بعد ( تنظيفها ) من بعض العناصر والقيادات ، لتنفيذ السيناريو المرسوم لها أمريكيا وصهيونيا ، في ضرب المقاومة ونزع سلاحها ، بعد أن اخفق عرفات في إنجاز هذه المهمة ، على مدى الثلاث سنوات الماضية .


وبدون شك أن الإصلاح مطلب له الأولوية لدى الشعب الفلسطيني وفصائل المقاومة ، بهدف إجراء إصلاح حقيقي للمؤسسات الرسمية والشعبية الفلسطينية ، عبر عزل القيادات الفاسدة سياسيا وماليا ، واستبدالها بقيادات شابه مجاهدة ومكافحة ، تمرست عبر المقاومة والانتفاضة والمعتقلات الصهيونية .

ولكن الإصلاح ضمن المفهوم الأمريكي والصهيوني ، كان له الأولوية لدى السلطة ، الذي يستهدف ( تنظيف ) المؤسسات والأجهزة الرسمية مـن بعض العناصر والقيادات التي رفضت قمع الانتفاضة والمقاومة ، ومثل هذا المفهوم للإصلاح غير مقبول ومرفوض فلسطينيا على مستوى الشعب وعلى مستوى الفصائل ، ومصيره الفشل ، لانه لا يستجيب لمطالب وطموحات الشعب الفلسطيني وفصائله في الإصلاح ، حيث المطالبة بإنشاء قيادة فلسطينية موحدة لقيادة المقاومة والانتفاضة تضم في صفوفها كل المقاومين والمجاهدين عبـــر الالتفاف حول برنامج المقاومة ، والتخلي عن برنامج التسوية .

ولتسليط الضوء ، على طبيعة الخلاف بين عرفات وأبو مازن ، فيما يتعلق بتشكيلة الحكومة ،والرؤية السياسيّة ، لا بد من التوقف عند ما يلي :

أولا : إن الخلاف بين عرفات وأبو مازن ليس خلافا مبدئيّا أو خلافا استراتيجيّا ، وإنما هو خلافا تكتيكيا في إطار الشراكة الكاملة بينهما ، التي امتدت نحو أربعة عقود ، منذ نشوء حركة فتح عام 1965، وفي إطار الخط السياسي الواحد الذين ينتميان إليه ، المتمثل بخط التسوية ، الذي انتج ( اوسلو ) التي بموجبها اعترفت منظمة التحرير والسلطة بشرعية الكيان الصهيوني على ارض فلسطين ، وتم بموجبها التنازل عن فلسطين المحتلة عام 1948 ، والتي كانت وراء إنهاء الانتفاضة الأولى ، ثم أخيرا ( خريطة الطريق ) التي هي في الواقع مؤامرة خطيرة على الانتفاضة .

ثانيا : هو خلاف شخصي بين الرجلين ، على المناصب الوزارية ، وتوزيع الحصص في الحكومة ، أي انه خلاف على مواقع السلطة والنفوذ والمكاسب الشخصية ، حيث برز هذا الخلاف بصورة جلية حول منصب وزير الداخلية ، الذي رفض عرفات منحه لدحلان بعد أن رشحه أبو مازن لهذا المنصب ، والذي اضطر عرفات لاحقا إلى القبول بصيغة معدلة بعد تدخل أو تهديدات حملها إليه رئيس المخابرات المصرية عمر سليمان ، من خلال إسناد منصب وزير الشؤون الأمنية إلى دحلان ، مقابل أن يحتفظ أبو مازن بمنصب وزير الداخلية ، حيث كان الدافع لهذا الخلاف هو السيطرة على القرار الأمني والسياسي ، الذي كان يحتكره عرفات سابقا ، ويحاول أبو مازن السيطرة عليه الآن بدعم أمريكي صهيوني .

ثالثا : هو خلاف أو تباين بين رؤيتين ، ضمن إطار خط التسوية ، رؤية يمثلها عرفات ، تضع لنفسها بعض ( الخطوط الحمر ) ، وترفض تجاوزها ، كما تقول ، تتلخص في المطالبة بحل سياسي للقضية الفلسطينية ، عبر إقامة دولة فلسطينية مستقلة ضمن حدود 1967 ، عاصمتها القدس الشرقية ، بما فيها الحرم القدسي الشريف ، وإزالة المستوطنات ، وإيجاد حل عادل لقضية اللاجئين ، من خلال العودة إلى المفاوضات السياسية التي توقفت بعد اندلاع الانتفاضة ، ويعتقد أصحاب وجهة النظر هذه ، بان الحل السياسي ، واقامة الدولة المستقلة في حدود 1967 كفيلان بوقف الانتفاضة وإنهاء المقاومة ، واستتباب الأمن والسلام في المنطقة .

ومن الجدير ذكره ، انه سبق لحكومة عرفات أن جربت ضرب الفصائل الإسلامية كحماس والجهاد عام 1996حيث حققت حملتها بعض النجاح في حينه ، ولكن حملتها لتصفية انتفاضة الأقصى منيت بالفشل الذريع ، وعادتا حماس والجهاد أقوى بكثير من قبل .

أما بالنسبة للرؤية التي يمثلها أبو مازن ـ دحلان ، فهي اشد خطورة من رؤية عرفات ، وهي تتلخص في أن أصحابها مستعدون للذهاب بعيدا في الاستجابة للاملاءات الأمريكية والصهيونية.

حيث يرى هؤلاء بان الأولوية هي للحل الأمني ، عبر تصفية المقاومة ونزع سلاحها ، وإنهاء الانتفاضة ، كما يرى هؤلاء بإمكانية التنازل عن حق العودة للاجئين ، والتنازل عن إزالة المستوطنات ، ويقبل هؤلاء بإقامة الدولة على أجزاء من الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 ، ووفق الشروط الصهيونية .

وينطلق أصحاب هذه الرؤية من فكرة تقول ، بان متغيرات إقليمية قد حدثت بعد سقوط نظام صدام حسين ، والاحتلال الأمريكي للعراق ، تتطلب أن نكون واقعيين وان نتلاءم معها ، ويذكر أن أصحاب هذا الرؤية نظروا كثيرا لعدم جدوى المقاومة والانتفاضة ، وقالوا انه كان من الخطأ عسكرة الانتفاضة ، وتحويلها إلى مقاومة مسلحة ، وكان من الأفضل لو أنها بقيت سلمية ، وينتقد أصحاب هذه الرؤية عرفات ويتهمونه بأنه ضيع فرصة ثمينة بعد أن رفض التوقيع على الحل النهائي في ( كامب ديفيد 2 ) .

لا شك أن ما ينظر له أصحاب هذه الرؤية من أفكار ، تمثل منطق المهزومين والمستسلمين ، وهو منطق مرفوض ومدان من الفلسطينيين وفصائل المقاومة ، التي أكدت على تمسكها بخيار المقاومة ، الذي اثبت فاعليته وتأثيره العميق في الكيان الصهيوني ، على مدى واحد وثلاثين شهرا من عمر الانتفاضة ، ومنطق المهزومين ليس له مؤيدين بين الفلسطينيين لذلك سيكون مصيره الفشل ، كما فشلت كل المحاولات السابقة في ضرب المقاومة وانهاء الانتفاضة .


أما حول حقيقة ( خريطة الطريق ) ، فهي قد طرحت أصلا ، من قبيل المناورة السياسية للإدارة الأمريكية ، قبيل الحرب على العراق ، في محاولة لتهدئة أو تخدير الفلسطينيين ، عبر بيعهم الأوهام ، وبأنها جادة في حل قضيتهم ، واقامة دولة لهم ، بعد انتهاء الحرب وسقوط النظام ، خشية أن تؤثر انتفاضتهم ومقاومتهم سلبا على عملياتها العسكرية في العراق .

ولكن بعد نشر ( خريطة الطريق ) قبل أسبوعين تقريبا ، تبين بأنها خريطة أمنية ، أو خريطة دموية بمعنى اصح ، تستهدف القتل والتدمير والتخريب كما يحدث اليوم في غزة ، وتستهدف تصفية المقاومة والانتفاضة ، والتنازل عن حق العودة للاجئين ، وصولا إلى تصفية القضية الفلسطينية من أساسها ، في مقابل وعود غير مضمونة بدولة فلسطينية مؤقتة في العام 2005 ، وفق الرؤية التي تحدث عنها الرئيس الأمريكي جورج بوش في إحدى خطبه .

وفي الواقع ، كان تشكيل حكومة أبو مازن ، البند الأول في تطبيق ( خريطة الطريق ) ، وبعد أن رأت الحكومة النور ، وبرز أبو مازن إلى الواجهة على حساب عرفات ، عبر الدعم والرعاية الأمريكية ، حيث يجري التعامل معه على أساس انه يمثل القيادة الجديدة للسلطة .


فان مهمة خطيرة جدا ، تتهيأ حكومة أبو مازن لتنفيذها خلال الأيام والأسابيع والشهور المقبلة تتمثل في نزع السلاح بقوة السلاح ، حيث ينتاب الفلسطينيون القلق من أن تقودهم حكومة أبو مازن إلى الاقتتال الداخلي ، إذا ما أصرت على تنفيذ مهمتها تلك ، خاصة وان الفصائل مجتمعة ترفض نزع سلاحها وتتمسك بالمقاومة ، وعبرت عن ذلك ميدانيا عبر مواصلة عمليات المقاومة ضد الاحتلال.

كذلك ينتاب الفلسطينيون القلق من النوايا الأمريكية بتقديم المال والسلاح والتدريب والخبرة للأجهزة الأمنية ، حيث أعلنت الإدارة الأمريكية بأنها ستقدم 50 مليون دولار كمساعدة مالية لاعادة بناء وتدريب وتسليح أجهزة الأمن .

ورغم هذا القلق المشروع بين الفلسطينيين من الاقتتال الداخلي ، فانه لا خوف حقيقي من الاقتتال الداخلي ولا خوف على سلاح المقاومة ، لان المعطيات المتوفرة تشير بان حكومة أبو مازن لن تستطيع نزع السلاح من أيدي المقاومين ، انطلاقا من القناعة الراسخة لدى الفلسطينيين بان سلاح المقاومة هو خط احمر ممنوع وحرام الاقتراب منه طالما بقي الاحتلال.

خاصة بعد أن عجز سلاح السلطة عن مواجهة العدو ، وعجز عن حماية الفلسطينيين أمام العدوان الصهيوني اليومي عليهم ، وأمام الاغتيالات اليومية لقادتهم وكوادرهم وأبناءهم ، وأمام التدمير اليومي لبيوتهم ومزارعهم ومصانعهم ومؤسساتهم ، وأمام المصادرة اليومية لارضهم لبناء المستوطنات والأحزمة الأمنية .

ففي ظل هذا العجز السلطوي عن مواجهة العدو فانه لا يجوز الحديث عن نزع السلاح من أيدي الشعب وفصائل المقاومة ، التي تحمل السلاح لحماية الشعب ودافعا عن الوطن ودافعا عن القضية ودفاعا عن المستقبل ، خاصة وانه سلاح منضبط وملتزم ومسؤول ، والذي ثبت ميدانيا بأنه أمضى كثيرا واكثر فاعلية وتأثيرا من سلاح السلطة في جبهة العدو .

وفي نفس السياق ، هناك العديد من العوامل التي تؤشر إلى حتمية فشل حكومة أبو مازن وسقوطها المتوقع ، وفيما يلي أهمها :

أولا :
ـــــ
إن أبو مازن ودحلان ، شخصيتان تفتقدان إلى المصداقية ، ورصيدهما النضالي والشعبي ضئيل يكاد لا يذكر ، ومكامن قوتهما مستمدة من الدعم والرعاية الأمريكية والصهيونية لهما ، فأبو مازن محسوب تاريخيا على خط التسوية ، في منظمة التحرير وحركة فتح ، وسجله يخلو من أي رصيد نضالي في مقاومة الاحتلال والكفاح المسلح .

إلى جانب ذلك فهو صاحب نظرية تقول بخطأ عسكرة الانتفاضة ( تحويلها إلى مقاومة مسلحة ) ، ناهيك عن كونه المهندس الرئيسي لاتفاقية ( اوسلو ) سيئة الصيت ، والاهم من ذلك انه يلقى معارضة شديدة من داخل تنظيم حركة فتح وتحديدا من كتائب شهداء الأقصى .

أما بالنسبة لدحلان فسجله حافل بالتعاون الأمني مع الكيان الصهيوني ، وحافل بالقمع للمجاهدين والمقاومين ، خاصة مجاهدي حماس والجهاد عام 1996، عندما كان على رأس جهاز الأمن الوقائي في غزة .

ثانيا :
ـــــ
لقد جرت محاولات عديدة سابقة لنزع سلاح المقاومة ، فقد جربت حكومات عرفات المتعاقبة القيام بهذه المهمة ، ولكنها واجهت الفشل الذريع ، لذلك نال عرفات غضب إدارة بوش وحكومة شارون وسحبتا البساط من تحته ، فقد فشل في هذه المهمة اللواء عبد الرزاق اليحيى أول وزير داخلية في السلطة ، وفشل هاني الحسن وزير الداخلية السابق ، وفشل قبله دحلان في غزة ، وفشل الرجوب في الضفة ، وستفشل حتما حكومة أبو مازن ـ دحلان ، انطلاقا من الوعي الفلسطيني العميق بان أي بديل عن المقاومة لا قيمة له ، ولا يغني ولا يسمن من جوع ، وانطلاقا من الوعي التاريخي لدى فصائل المقاومة بان سلاحها ، هو الضمانة الوحيدة لانتزاع الحقوق المسلوبة ، وهو الضمانة الوحيدة للدفاع عن النفس والشعب والمستقبل أمام العدوان الصهيوني المتواصل يوميا .

ثالثا :
ـــ
لقد تجذر عميقا في الوعي والوجدان الفلسطيني خيار المقاومة والاستشهاد ، ويعود الفضل في ذلك إلى تضحيات أبناء حركة حماس وحركة الجهاد وكتائب شهداء الأقصى ، التي انتهجت منهج العمليات الاستشهادية ، فبعد كل هذه التجربة والخبرة والتراث الجهادي الضخم لدى هذه الفصائل المجاهدة ، والالتفاف الشعبي الفلسطيني المجاهد حولها ، فانه من العصب جدا ، بل من المستحيل ، وسيكون مكلفا جدا لمن يحاول المساس بسلاح المقاومة ، خاصة في ظل استمرار الاحتلال والعدوان الصهيوني اليومي .

رابعا :
ـــ
ان عدم اعتراف حكومة شارون بـ ( خريطة الطريق ) شكل ضربة قوية لهذه الخريطة ، كذلك إن مواصلة جيش الاحتلال الصهيوني لعدوانه وجرائمه وإرهابه اليومي ضد الشعب الفلسطيني ، من خلال الاغتيالات والقتل والتدمير والتخريب ومصادرة الأراضي ، من أهم العوامل التي ستؤدي إلى فشل ( خريطة الطريق ) وحكومة أبو مازن ، ففي ظل العدوان المستمر لا يمكن أن يستمع أحد لما يقوله أبو مازن وحكومته ، بل سيكون مرفوضا ومستهجنا ومدانا المطالبة بنزع سلاح المقاومة .

خامسا :
ــــ
لقد أسقطت حكومة شارون الأوهام لدى الفلسطينيين بإمكانية إقامة سلام وتعايش مع كيانه ، وفاق الجميع على حقيقة بان ( اوسلو ) ، كانت خدعة وكذبة كبيرة ، دفع الفلسطينيون ثمنا باهظا لها ، ومن ناحية أخرى ، لم يعد لدى الفلسطينيين أي مصداقية بالإدارة الأمريكية بسبب دعمها ألا محدود للعدو الصهيوني ، بل أدرك الجميع بأنها شريكة كاملة في جرائمه ومجازره ضد الفلسطينيين . ومن جانب آخر ، لم يعد لدى شارون شيء يقدمه للفلسطينيين ، يستجيب للحد الأدنى من طموحاتهم في إقامة دولة فلسطينية مستقلة بعاصمتها القدس الشريف ، مقابل نزع سلاحهم ووقف انتفاضتهم .

من هنا فان العقل والمنطق والحكمة تقول بالتمسك بالسلاح والتمسك بخيار المقاومة ومتابعة الانتفاضة ، حتى تحقيق الأهداف ، ومن هنا فلا فرصة حقيقية لدى حكومة أبو مازن في تطبيق ( خريطة الطريق ) ، ولا فرصة لديها لنزع سلاح المقاومة ، وستواجه بالعجز والفشل ، وستسقط بأسرع مما هو متوقع ، وستستمر المقاومة والانتفاضة ، وسينتصر المجاهدون والمقاومون ، وسيسقط المهزومون والمستسلمون إن عاجلا أم آجلا ، فهذه الأمة لن تستسلم ولن تموت ، طالما هناك مجاهدون مستعدون للاستشهاد في سبيلها وفي سبيل عزتها وكرامتها .

الكاتب: جهاد علي
التاريخ: 01/01/2007