اعزاز راية الاسلام في بيان تلازم التوحيد والحاكمية .........الشيخ المجاهد ايمن الظواهري حفظه الله

 

بسم الله الرحمن الرحيم

-----------------

المقدمة

---

لماذا هذه الرسالة

---

لازالت قضية التسليم لرب العباد بحقه سبحانه في التشريع للعباد -رغم مرور الأزمان والعصور- أحد أهم قضايا كل زمان وكل عصر إن لم تكن قضيته الأولى، وبالتالي فهي أحد أخطر قضايا عصرنا وزماننا. وهذا معنى من المهم إبرازه لأهل الحق في هذا الزمان حتى تطمئن قلوبهم إلى أنهم يخوضون نفس المعارك التي خاضها الرسل وأتباعهم من أهل الإيمان في كل زمان.

وحتى يدركوا بالأمثلة الواقعة المعاصرة أن معركة الحق والباطل هي معركة واحدة متصلة، منذ أن خلق الله -سبحانه وتعالى- الخلق إلى أن يرث الله -سبحانه وتعالى- الأرض ومن عليها, إنها معركة واحدة في أهدافها وميادين صراعها وتميز أطرافها وأن تغيرت الصور وتبدلت القشور.

يقول الحق سبحانه: (ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين)، ويقول عز من قائل: (وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً من المجرمين وكفى بربك هادياً ونصيراً)، ويقول الحق سبحانه: (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب)، ويقول الحق سبحانه: (وكذلك نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين)، ويقول الحق سبحانه: (تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين)، ويقول الحق سبحانه: (قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد أباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء إنك لأنت الحليم الرشيد).

والقرآن الكريم في تناوله الواسع والواضح والحاسم لتلكم القضية المحورية حرص على إظهار أطراف هذه المعركة الخالدة في زمان النبي صلى الله عليه وسلم، وربطهم بأقرانهم وأشباههم عبر الأزمان والدهور، يقول الحق سبحانه: (وما أرسلنا من رسول إلى ليطاع بإذن الله ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً، فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً)، ويقول الحق سبحانه: (إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون، وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون، وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم مصدقاً لما بين يديه من التوراة وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقاً لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين، وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون، وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعاً فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون).

ولكن قد يتساءل القارئ: لماذ تؤلف رسالة جديدة في الحاكمية؟ وماذا عساها أن تضيف لما سبقها من مؤلفات -قديمة وجديدة، مستقلة في موضوعها أو مشمولة مع غيرها- لأفاضل العلماء والدعاة من الأئمة المتقدمين أو الأجلة المتأخرين في هذه القضية؟.

وهو سؤال هام للقارئ ولكاتب الرسالة، لأن إجابته تكشف عن الغرض من تأليف هذه الرسالة في هذا الموضوع بالذات في هذا الوقت بالتحديد.

فكاتب هذه الرسالة لم يهدف إلى تكرار ماسبقه إليه أفاضل العلماء في هذه القضية الخطيرة، التي لم تفقد خطورتها -رغم مرور الأزمان- باعتبارها أحد أهم القضايا العقدية الرئيسية التي من أجلها أنزلت الكتب وبعثت الرسل وانعقدت العداوة ونشب الجهاد بين أهل الحق وأهل الباطل.

وكاتب هذه الرسالة لا يطمع أن يضيف إلى من سبقوه شيئاً, ولكنه يهدف إلى أن يوضح عدة أمور:

أولها: أن معركة العدو الصليبي اليهودي على أمتنا -وهي معركة قديمة جديدة- لا تشن فقط على المستوى العسكري والاقتصادي، بل وقبل كل ذلك ومعه وبعده على المستوى الفكري والسلوكي والاجتماعي. والمعركة على عقيدة الأمة -وخاصة في قضية لمن تكون الحاكمية- وبالتالي المعركة على شريعة الأمة هي المعركة الأهم، نظراً لما يترتب عليها من آثار فادحة الخطورة، تغير حال الأمة من كونها الأمة الخاتمة -حاملة رسالة التوحيد الشاهدة على الناس الآمرة بالمعروف الناهية عن المنكر- إلى تجمع تابع فاسد متهالك متهتك متناحر.

وثانيها: أن خصومنا في هذه المعركة يشكلون حلفاً مترابطاً لا يقتصر على الجيوش الغازية ولا البنوك الدائنة ولا الشركات الناهبة فقط، بل يمتد إلى داخل بلادنا ومجتمعاتنا في صورة حكام مستبدين وكتاب مأجورين ومفكرين منحرفين وقضاة جائرين، وأخيراً -وهم الأخطر- في صورة علماء السلاطين والمرجئة المعاصرين.

لذا تأمل هذه الرسالة إلى توضيح الترابط بين أعداء الداخل والخارج في أهدافهم وفي جنودهم.

كما تهدف هذه الرسالة -في أثناء تحديدها لأطراف الصراع في هذه الحلقة المعاصرة من سلسة الصراع الممتد عبر الزمان حول حق المولي سبحانه وتعالى في التشريع لخلقه دون سواه- إلى كشف اللثام وإسقاط القناع عن أعداء الإسلام المتزيين بزيه الذين يميعون قضية الحاكمية خدمة لأهداف أعداء الإسلام من الصليبيين الجدد واليهود وأذنابهم من حكام ديار الإسلام، يقول الحق سبحانه: (وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون).

هذا ما ترمي إليه هذه الرسالة ابتغاء لمرضاة الله سبحانه وتعالى وإرشاداً لأهل الحق إلى معالم مواقعهم ومواقع أعدائهم في ميدان الصراع الخالد بين أهل الكفر والإيمان حول التسليم لرب البشر بحقه في الحكم والتشريع لخلقه، وتحذيرهم من عيون أعدائهم المندسين بينهم، والساعين إلى زعزعة صفوفهم حتى تجتاحها جحافل الصليبيين الجدد وحلفائهم من اليهود من أجل فتات زائل ودنيا خسيسة.

فما كان في هذه الرسالة من خير وهدى فهو من توفيق المولى وحده صاحب الفضل والمنة لا شريك له، وما كان منها من غير ذلك فهو من نفس كاتبها ومن الشيطان، (إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب). وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

أيمن الظواهري

جمادى الآخرة 1424هـ، أغسطس 2003م



بسم الله الرحمن الرحيم

الفصل الأول

عرض موجز لأدلة الشرع

في وجوب التحاكم إلى المولى سبحانه وتعالى وحده

تضافرت أدلة الشريعة على اعتبار التحاكم إلى المولى سبحانه وتعالى وبالتالي إلى شرعه المنزل في كتابه وسنة نبيه –صلى الله عليه وسلم- ركناً ركيناً من عقيدة التوحيد، لا تتحقق إلا به. بل إن معركة الحق والباطل الدائرة عبر الزمان ما دارت ولا تدور إلا حول هذا الركن الركين من عقيدة الإسلام؛ لمن حق الحكم والتشريع؟ لله وحده سبحانه؟ أم لما عداه من الأنداد والشركاء؟ وكذلك فإن معركة الإسلام في هذا العصر ما اندلعت ولا احتدت واحتدمت إلا حول هذه القضية البالغة الخطورة، ولا تواجه وتقاتل وتصارع أنصار الإسلام وأعداؤه إلا حول هذا الركن الركين من أركان التوحيد.

وكذلك ما تقدمت الحركة الإسلامية المعاصرة نحو هدفها من التمكين للإسلام ولا تراجعت عنه إلا بمقدار تقدمها أو تراجعها عن هذا الأصل الأصيل من الإيمان.

ونحن هنا نوجز معالم هذا الركن الأساسي من عقيدة الإسلام كمقدمة لتناول الواقع المعاصر لأنصار الإسلام وأعدائه في معركتهم؛ معركة الإسلام والإيمان والكفر والإشراك، معركة التسليم بحق المولى في التشريع لخلقه أو منازعته في التحاكم إلى غير ما شرع من التشريعات الوضعية.

- أولاً: الأدلة من القرآن

1- (ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالاً بعيداً، وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدوداً، فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاءوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحساناً وتوفيقاً، أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولاً بليغاً، وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً، فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً) [النساء 60- 65]

قال ابن جرير الطبري رحمه الله في تفسير هذه الآيات:

"يعني بذلك -جل ثناؤه- ألم تر يا محمد بقلبك فتعلم إلى الذين يزعمون أنهم صدقوا بما أنزل إليك من الكتاب، وإلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل من قبلك من الكتب، يريدون أن يتحاكموا في خصومتهم إلى الطاغوت يعني إلى من يعظمونه ويصدرون عن قوله ويرضون بحكمه من دون حكم الله.

(وقد أمروا أن يكفروا به) يقول وقد أمرهم الله أن يكذبوا بما جاءهم به الطاغوت الذي يتحاكمون إليه فتركوا أمر الله واتبعوا أمر الشيطان".[1]

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

"والطاغوت فعلوت من الطغيان كما أن الملكوت فعلوت من الملك، والرحموت والرهبوت والرغبوت فعلوت من الرحمة والرهبة والرغبة.

والطغيان مجاوزة الحد وهو الظلم والبغي، فالمعبود من دون الله إذا لم يكن كارهاً لذلك طاغوت. ولهذا سمى النبي الأصنام طواغيت في الحديث الصحيح لما قال: "ويتبع من يعبد الطواغيت الطواغيت". والمطاع في معصية الله والمطاع في الهدى ودين الحق سواءً كان مقبولاً خبره المخالف لكتاب الله أو مطاعا أمره المخالف لأمر الله هو طاغوت.

ولهذا سمى من تحوكم إليه من حاكم بغير كتاب الله طاغوت".[2]

ويقول الأستاذ الشهيد -كما نحسبه- سيد قطب -رحمه الله- في تفسير هذه الآيات:

"وحين ينتهي السياق من تقرير هذه القاعدة الكلية في شرط الإيمان وحد الإسلام، وفي النظام الأساسي للأمة المسلمة، وفي منهج تشريعها وأصوله.. يلتفت إلى الذين ينحرفون عن هذه القاعدة؛ ثم يزعمون -بعد ذلك- أنهم مؤمنون! وهم ينقضون شرط الإيمان وحد الإسلام. إذ يريدون أن يتحاكموا إلى غير شريعة الله.. إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به..

يلتفت إليهم ليعجب من أمرهم ويستنكر.. وليحذرهم -وأمثالهم- من إرادة الشيطان بهم الضلال. ويصف حالهم حين يدعون إلى ما أنزل الله وإلى الرسول فيصدون. ويعتبر هذا الصدود نفاقاً. كما اعتبر إرادتهم التحاكم إلى الطاغوت خروجاً من الإيمان، بل وعدم دخول فيه ابتداء.

...............

ويختم المقطع كله ببيان ما أراده الله -سبحانه- من إرسال الرسل..

وهو أن يطاعوا.. ثم بنص صريح جازم في شرط الإيمان وحد الإسلام مرة أخرى..

...............................

(ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك. يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت - وقد أمروا أن يكفروا به - ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالاً بعيدًا)..

ألم تر إلى هذا العجب العاجب.. قوم.. يزعمون.. الإيمان. ثم يهدمون هذا الزعم في آن؟! قوم يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك. ثم لا يتحاكمون إلى ما أنزل إليك وما أنزل من قبلك؟ إنما يريدون أن يتحاكموا إلى شيء آخر، وإلى منهج آخر، وإلى حكم آخر..

يريدون أن يتحاكموا إلى.. الطاغوت.. الذي لا يستمد مما أنزل إليك وما أنزل من قبلك. ولا ضابط له ولا ميزان، مما أنزل إليك وما أنزل من قبلك.. ومن ثم فهو.. طاغوت.. طاغوت بادعائه خاصية من خواص الألوهية. وطاغوت بأنه لا يقف عند ميزان مضبوط أيضاً!

وهم لا يفعلون هذا عن جهل، ولا عن ظن.. إنما هم يعلمون يقيناً ويعرفون تماماً، أن هذا الطاغوت محرم التحاكم إليه، وقد أمروا أن يكفروا به .. فليس في الأمر جهالة ولا ظن. بل هو العمد والقصد. ومن ثم لا يستقيم ذلك الزعم. زعم أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك! إنما هو الشيطان الذي يريد بهم الضلال الذي لا يرجى منه مآب..

ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدًا..

فهذه هي العلة الكامنة وراء إرادتهم التحاكم إلى الطاغوت. وهذا هو الدافع الذي يدفعهم إلى الخروج من حد الإيمان وشرطه بإرادتهم التحاكم إلى الطاغوت! هذا هو الدافع يكشفه لهم. لعلهم يتنبهون فيرجعوا. ويكشفه للجماعة المسلمة، لتعرف من يحرك هؤلاء ويقف وراءهم كذلك.

ويمضي السياق في وصف حالهم إذا ما دعوا إلى ما أنزل الله إلى الرسول وما أنزل من قبله.. ذلك الذي يزعمون أنهم آمنوا به:

وإذا قيل لهم: (تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدوداً).

يا سبحان الله! إن النفاق يأبى إلا أن يكشف نفسه! ويأبى إلا أن يناقض بديهيات المنطق الفطري.. وإلا ما كان نفاقاً...

إن المقتضى الفطري البديهي للإيمان، أن يتحاكم الإنسان إلى ما آمن به، وإلى من آمن به. فإذا زعم أنه آمن بالله وما أنزل، وبالرسول وما أنزل إليه. ثم دعي إلى هذا الذي آمن به، ليتحاكم إلى أمره وشرعه ومنهجه؛ كانت التلبية الكاملة هي البديهية الفطرية. فأما حين يصد ويأبى فهو يخالف البديهية الفطرية. ويكشف عن النفاق. وينبىء عن كذب الزعم الذي زعمه من الإيمان!

وإلى هذه البديهية الفطرية يحاكم الله -سبحانه- أولئك الذين يزعمون الإيمان بالله ورسوله. ثم لا يتحاكمون إلى منهج الله ورسوله. بل يصدون عن ذلك المنهج حين يدعون إليه صدوداً!

ثم يعرض مظهراً من مظاهر النفاق في سلوكهم؛ حين يقعون في ورطة أو كارثة بسبب عدم تلبيتهم للدعوة إلى ما أنزل الله وإلى الرسول؛ أو بسبب ميلهم إلى التحاكم إلى الطاغوت. ومعاذيرهم عند ذلك. وهي معاذير النفاق:

(فكيف إذا أصابتهم مصيبة -بما قدمت أيديهم- ثم جاءوك يحلفون بالله: إن أردنا إلا إحساناً وتوفيقاً)..

.....................................

وهي دائماً دعوى كل من يحيدون عن الاحتكام إلى منهج الله وشريعته: أنهم يريدون اتقاء الإشكالات والمتاعب والمصاعب، التي تنشأ من الاحتكام إلى شريعة الله! ويريدون التوفيق بين العناصر المختلفة والاتجاهات المختلفة والعقائد المختلفة.. إنها حجة الذين يزعمون الإيمان -وهم غير مؤمنين- وحجة المنافقين الملتوين.. هي هي دائماً وفي كل حين!

............................

ولكنه قبل هذا كله يقرر القاعدة الأساسية: وهي أن الله قد أرسل رسله ليطاعوا -بإذنه- لا ليخالف عن أمرهم. ولا ليكونوا مجرد وعاظ! ومجرد مرشدين!

(وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله. ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك، فاستغفروا الله، واستغفر لهم الرسول، لوجدوا الله تواباً رحيمًا)..

وهذه حقيقة لها وزنها.. إن الرسول ليس مجرد "واعظ" يلقي كلمته ويمضي. لتذهب في الهواء -بلا سلطان- كما يقول المخادعون عن طبيعة الدين وطبيعة الرسل؛ أو كما يفهم الذين لا يفهمون مدلول "الدين".

إن الدين منهج حياة. منهج حياة واقعية. بتشكيلاتها وتنظيماتها، وأوضاعها، وقيمها، وأخلاقها وآدابها. وعباداتها وشعائرها كذلك.

وهذا كله يقضي أن يكون للرسالة سلطان. سلطان يحقق المنهج، وتخضع له النفوس خضوع طاعة وتنفيذ.. والله أرسل رسله ليطاعوا -بإذنه وفي حدود شرعه- في تحقيق منهج الدين. منهج الله الذي أراده لتصريف هذه الحياة. وما من رسول إلا أرسله الله، ليطاع، بإذن الله. فتكون طاعته طاعة لله.. ولم يرسل الرسل لمجرد التأثر الوجداني، والشعائر التعبدية.. فهذا وهم في فهم الدين؛ لا يستقيم مع حكمة الله من إرسال الرسل. وهي إقامة منهج معين للحياة، في واقع الحياة.. وإلا فما أهون دنيا كل وظيفة الرسول فيها أن يقف واعظاً. لا يعنيه إلا أن يقول كلمته ويمضي. يستهتر بها المستهترون، ويبتذلها المبتذلون!!!

ومن هنا كان تاريخ الإسلام كما كان.. كان دعوة وبلاغاً. ونظاماً وحكماً. وخلافة بعد ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تقوم بقوة الشريعة والنظام، على تنفيذ الشريعة والنظام. لتحقيق الطاعة الدائمة للرسول. وتحقيق إرادة الله من إرسال الرسول. وليست هنالك صورة أخرى يقال لها: الإسلام. أو يقال لها: الدين. إلا أن تكون طاعة للرسول، محققة في وضع وفي تنظيم. ثم تختلف أشكال هذا الوضع ما تختلف؛ ويبقى أصلها الثابت. وحقيقتها التي لا توجد بغيرها.. استسلام لمنهج الله، وتحقيق لمنهج رسول الله. وتحاكم إلى شريعة الله. وطاعة للرسول فيما بلغ عن الله، وإفراد لله -سبحانه- بالألوهية [شهادة أن لا إله إلا الله] ومن ثم إفراده بالحاكمية التي تجعل التشريع ابتداء حقا لله، لا يشاركه فيه سواه. وعدم احتكام إلى الطاغوت. في كثير ولا قليل.

...................................

وأخيرا يجيء ذلك الإيقاع الحاسم الجازم. إذ يقسم الله -سبحانه- بذاته العلية، أنه لا يؤمن مؤمن، حتى يحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمره كله. ثم يمضي راضياً بحكمه، مسلماً بقضائه. ليس في صدره حرج منه، ولا في نفسه تلجلج في قبوله:

(فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم. ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت، ويسلموا تسليماً)..

ومرة أخرى نجدنا أمام شرط الإيمان وحد الإسلام. يقرره الله سبحانه بنفسه. ويقسم عليه بذاته. فلا يبقى بعد ذلك قول لقائل في تحديد شرط الإيمان وحد الإسلام، ولا تأويل لمؤول.

اللهم إلا مماحكة لا تستحق الاحترام.. وهي أن هذا القول مرهون بزمان، وموقوف على طائفة من الناس! وهذا قول من لا يدرك من الإسلام شيئاً؛ ولا يفقه من التعبير القرآني قليلاً ولا كثيراً. فهذه حقيقة كلية من حقائق الإسلام؛ جاءت في صورة قسم مؤكد؛ مطلقة من كل قيد.

........................................

وإذا كان يكفي لإثبات "الإسلام" أن يتحاكم الناس إلى شريعة الله وحكم رسوله.. فانه لا يكفي في "الإيمان" هذا، ما لم يصحبه الرضى النفسي، والقبول القلبي، وإسلام القلب والجنان، في اطمئنان!

هذا هو الإسلام.. وهذا هو الإيمان.. فلتنظر نفس أين هي من الإسلام؛ وأين هي من الإيمان! قبل ادعاء الإسلام وادعاء الإيمان!"[3]

2- (إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون، وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون، وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم مصدقاً لما بين يديه من التوراة وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقاً لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين، وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون، وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعاً فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون، وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك فإن تولوا فاعلم إنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهمو وإن كثيراً من الناس لفاسقون) [المائدة 44- 49].

يقول الأستاذ الشهيد -كما نحسبه- سيد قطب -رحمه الله- في تفسير هذه الآيات:

"وهكذا تتبين القضية.. إله واحد. وخالق واحد. ومالك واحد.. وإذن فحاكم واحد. ومشرع واحد. ومتصرف واحد.. وإذن فشريعة واحدة، ومنهج واحد، وقانون واحد.. وإذن فطاعة واتباع وحكم بما أنزل الله، فهو إيمان وإسلام. أو معصية وخروج وحكم بغير ما أنزل الله، فهو كفر وظلم وفسوق.. وهذا هو الدين كما أخذ الله ميثاق العباد جميعاً عليه، وكما جاء به كل الرسل من عنده.. أمة محمد والأمم قبلها على السواء..

ولم يكن بد أن يكون "دين الله" هو الحكم بما أنزل الله دون سواه. فهذا هو مظهر سلطان الله. مظهر حاكمية الله. مظهر أن لا إله إلا الله.

وهذه الحتمية: حتمية هذا التلازم بين "دين الله" و"الحكم بما أنزل الله" لا تنشأ فحسب من أن ما أنزل الله خير مما يصنع البشر لأنفسهم من مناهج وشرائع وأنظمة وأوضاع. فهذا سبب واحد من أسباب هذه الحتمية. وليس هو السبب الأول ولا الرئيسي. إنما السبب الأول والرئيسي، والقاعدة الأولى والأساس في حتمية هذا التلازم هي أن الحكم بما أنزل الله إقرار بألوهية الله، ونفي لهذه الألوهية وخصائصها عمن عداه.

وهذا هو "الإسلام" بمعناه اللغوي: "الاستسلام"، وبمعناه الاصطلاحي كما جاءت به الأديان.. الإسلام لله.. والتجرد عن ادعاء الألوهية معه؛ وادعاء أخص خصائص الألوهية، وهي السلطان والحاكمية، وحق تطويع العباد وتعبيدهم بالشريعة والقانون.

ولا يكفي إذن أن يتخذ البشر لأنفسهم شرائع تشابه شريعة الله. أو حتى شريعة الله نفسها بنصها، إذا هم نسبوها إلى أنفسهم، ووضعوا عليها شاراتهم؛ ولم يردوها لله؛ ولم يطبقوها باسم الله، إذعانا لسلطانه، واعترافا بألوهيته؛ وبتفرده بهذه الألوهية. التفرد الذي يجرد العباد من حق السلطان والحاكمية، إلا تطبيقا" [4].

ويقول أيضاً رحمه الله:

"يتناول هذا الدرس أخطر قضية من قضايا العقيدة الإسلامية، والمنهج الإسلامي. ونظام الحكم والحياة في الإسلام.. وهي القضية التي عولجت في سورتي آل عمران والنساء من قبل.. ولكنها هنا في هذه السورة تتخذ شكلاً محدداً مؤكداً؛ يدل عليها النص بألفاظه وعباراته، لا بمفهومه وإيحائه..

إنها قضية الحكم والشريعة والتقاضي - ومن ورائها قضية الألوهية والتوحيد والإيمان - والقضية في جوهرها تتلخص في الإجابة على هذا السؤال:

أيكون الحكم والشريعة والتقاضي حسب مواثيق الله وعقوده وشرائعه التي استحفظ عليها أصحاب الديانات السماوية واحدة بعد الأخرى؛ وكتبها على الرسل، وعلى من يتولون الأمر بعدهم ليسيروا على هداهم؟ أم يكون ذلك كُله للأهواء المتقلبة، والمصالح التي لا ترجع الى أصل ثابت من شرع الله، والعرف الذي يصطلح عليه جيل أو أجيال؟ وبتعبير آخر: أتكون الألوهية والربوبية والقوامة لله في الأرض وفي حياة الناس؟ أم تكون كلها أو بعضها لأحد من خلقه يشرع للناس ما لم يأذن به الله؟

.................................

والسياق القرآني في هذا الدرس يقرر أولا:

توافي الديانات التي جاءت من عند الله كلها على تحتيم الحكم بما أنزله الله؛ وإقامة الحياة كلها على شريعة الله؛ وجعل هذا الأمر مفرق الطريق بين الإيمان والكفر؛ وبين الإسلام والجاهلية؛ وبين الشرع والهوى.. فالتوراة أنزلها الله فيها هدى ونور: يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء .. وعندهم التوارة فيها حكم الله .. وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس.. الخ .. والإنجيل آتاه الله عيسى بن مريم مصدقاً لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين. وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ..

والقرآن أنزله الله على رسوله بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه، وقال له: (فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق).. (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون).. (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون).. (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون).. (أفحكم الجاهلية يبغون؟ ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون؟).. وكذلك تتوافى الديانات كلها على هذا الأمر، ويتعين حد الإيمان وشرط الإسلام، سواء للمحكومين أو للحكام.. والمناط هو الحكم بما أنزل الله من الحكام، وقبول هذا الحكم من المحكومين، وعدم ابتغاء غيره من الشرائع والأحكام..

والمسألة في هذا الوضع خطيرة؛ والتشدد فيها على هذا النحو يستند إلى أسباب لا بد خطيرة كذلك. فما هي يا ترى هذه الأسباب؟ إننا نحاول أن نتلمسها سواءً في هذه النصوص أو في السياق القرآني كله، فنجدها واضحة بارزة..



إن الاعتبار الأول في هذه القضية هو:

أنها قضية الإقرار بألوهية الله وربوبيته وقوامته على البشر -بلا شريك- أو رفض هذا الإقرار.. ومن هنا هي قضية كفر أو إيمان، وجاهلية أو إسلام..

... والقرآن كله معرض بيان هذه الحقيقة..

إن الله هو الخالق.. خلق هذا الكون، وخلق هذا الإنسان. وسخر ما في السماوات والأرض لهذا الإنسان.. وهو -سبحانه- متفرد بالخلق، لا شريك له في كثير منه أو قليل.

وإن الله هو المالك.. بما أنه هو الخالق.. ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما.. فهو -سبحانه- متفرد بالملك. لا شريك له في كثير منه أو قليل.

وإن الله هو الرازق.. فلا يملك أحد أن يرزق نفسه أو غيره شيئاً. لا من الكثير ولا من القليل..

وإن الله هو صاحب السلطان المتصرف في الكون والناس.. بما أنه هو الخالق المالك الرازق.. وبما أنه هو صاحب القدرة التي لا يكون بدونها خلق ولا رزق ولا نفع ولا ضر. وهو -سبحانه- المتفرد بالسلطان في هذا الوجود.

والإيمان هو الإقرار لله -سبحانه- بهذه الخصائص. الألوهية، والملك، والسلطان... متفرداً بها لا يشاركه فيها أحد. والإسلام هو الاستسلام والطاعة لمقتضيات هذه الخصائص.. هو إفراد الله -سبحانه- بالألوهية والربوبية والقوامة على الوجود كله -وحياة الناس ضمناً- والاعتراف بسلطانه الممثل في قدره؛ والممثل كذلك في شريعته. فمعنى الاستسلام لشريعة الله هو -قبل كل شيء- الاعتراف بألوهيته وربوبيته وقوامته وسلطانه. ومعنى عدم الاستسلام لهذه الشريعة، واتخاذ شريعة غيرها في أية جزئية من جزئيات الحياة، هو -قبل كل شيء- رفض الاعتراف بألوهية الله وربوبيته وقوامته وسلطانه.. ويستوي أن يكون الاستسلام أو الرفض باللسان أو بالفعل دون القول.. وهي من ثم قضية كفر أو إيمان؛ وجاهلية أو إسلام. ومن هنا يجيء هذا النص: ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون .. الظالمون .. الفاسقون.

والاعتبار الثاني هو:

اعتبار الأفضلية الحتمية المقطوع بها لشريعة الله على شرائع الناس.. هذه الأفضلية التي تشير إليها الآية الأخيرة في هذا الدرس: ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون؟

والاعتراف المطلق بهذه الأفضلية لشريعة الله، في كل طور من أطوار الجماعة، وفي كل حالة من حالاتها.. هو كذلك داخل في قضية الكفر والإيمان.. فما يملك إنسان أن يدعي أن شريعة أحد من البشر، تفضل أو تماثل شريعة الله، في أية حالة أو في أي طور من أطوار الجماعة الإنسانية.. ثم يدعي - بعد ذلك - أنه مؤمن بالله، وأنه من المسلمين..

.....................................

إن شريعة الله تمثل منهجاً شاملاً متكاملاً للحياة البشرية؛ يتناول بالتنظيم والتوجيه والتطوير كل جوانب الحياة الإنسانية؛ في جميع حالاتها، وفي كل صورها وأشكالها..

وهو منهج قائم على العلم المطلق بحقيقة الكائن الإنساني، والحاجات الإنسانية، وبحقيقة الكون الذي يعيش فيه الإنسان؛ وبطبيعة النواميس التي تحكمه وتحكم الكينونة الإنسانية.. ومن ثم لا يفرط في شيء من أمور هذه الحياة؛ ولا يقع فيه ولا ينشأ عنه أي تصادم مدمر بين أنواع النشاط الإنساني؛ ولا أي تصادم مدمر بين هذا النشاط والنواميس الكونية؛ إنما يقع التوازن والاعتدال والتوافق والتناسق.. الأمر الذي لا يتوافر أبداً لمنهج من صنع الإنسان الذي لا يعلم إلا ظاهراً من الأمر؛ وإلا الجانب المكشوف في فترة زمنية معينة؛ ولا يسلم منهج يبتدعه من آثار الجهل الإنساني؛ ولا يخلو من التصادم المدمر بين بعض ألوان النشاط وبعض. والهزات العنيفة الناشئة عن هذا التصادم.

وهو منهج قائم على العدل المطلق.. أولاً.. لأن الله يعلم حق العلم بم يتحقق العدل المطلق وكيف يتحقق.. وثانياً.. لأنه -سبحانه- رب الجميع؛ فهو الذي يملك أن يعدل بين الجميع؛ وأن يجيء منهجه وشرعه مبرأ من الهوى والميل والضعف -كما أنه مبرأ من الجهل والقصور والغلو والتفريط- الأمر الذي لا يمكن أن يتوافر في أي منهج أو في أي شرع من صنع الإنسان، ذي الشهوات والميول، والضعف والهوى -فوق ما به من الجهل والقصور- سواء كان المشرع فرداً، أو طبقة، أو أمة، أو جيلاً من أجيال البشر..

...................................

وهو منهج متناسق مع ناموس الكون كله. لأن صاحبه هو صاحب هذا الكون كله. صانع الكون وصانع الإنسان.

...........................

ثم.. إنه المنهج الوحيد الذي يتحرر فيه الإنسان من العبودية للإنسان.. ففي كل منهج -غير المنهج الإسلامي- يتعبد الناس الناس. ويعبد الناس الناس. وفي المنهج الإسلامي -وحده- يخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده بلا شريك..

إن أخص خصائص الألوهية -كما أسلفنا- هي الحاكمية.. والذي يشرع لمجموعة من الناس يأخذ فيهم مكان الألوهية ويستخدم خصائصها. فهم عبيده لا عبيد الله، وهم في دينه لا في دين الله.

والإسلام حين يجعل الشريعة لله وحده، يخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ويعلن تحرير الإنسان. بل يعلن "ميلاد الإنسان".. فالإنسان لا يولد، ولا يوجد، إلا حيث تتحرر رقبته من حكم إنسان مثله وإلا حين يتساوى في هذا الشأن مع الناس جميعاً أمام رب الناس..

إن هذه القضية التي تعالجها نصوص هذا الدرس هي أخطر وأكبر قضايا العقيدة.. إنها قضية الألوهية والعبودية. قضية العدل والصلاح. قضية الحريه والمساواة. قضية تحرر الإنسان -بل ميلاد الإنسان- وهي من أجل هذا كله كانت قضية الكفر أو الإيمان، وقضية الجاهلية أو الإسلام..

والجاهلية ليست فترة تاريخية؛ إنما هي حالة توجد كلما وجدت مقوماتها في وضع أو نظام.. وهي في صميمها الرجوع بالحكم والتشريع إلى أهواء البشر، لا إلى منهج الله وشريعته للحياة. ويستوي أن تكون هذه الأهواء أهواء فرد، أو أهواء طبقة، أو أهواء أمة، أو أهواء جيل كامل من الناس.. فكلها.. ما دامت لا ترجع إلى شريعة الله.. أهواء..

يشرع فرد لجماعة فإذا هي جاهلية. لأن هواه هو القانون.. أو رأيه هو القانون.. لا فرق إلا في العبارات!

وتشرع طبقه لسائر الطبقات فإذا هي جاهلية. لأن مصالح تلك الطبقة هي القانون -أو رأي الأغلبية البرلمانية هو القانون- فلا فرق إلا في العبارات!

ويشرع ممثلو جميع الطبقات وجميع القطاعات في الأمة لأنفسهم فإذا هي جاهلية.. لأن أهواء الناس الذين لا يتجردون أبداً من الأهواء، ولأن جهل الناس الذين لا يتجردون أبداً من الجهل، هو القانون -أو لأن رأي الشعب هو القانون- فلا فرق إلا في العبارات!

وتشرع مجموعة من الأمم للبشرية فإذا هي جاهلية. لأن أهدافها القومية هي القانون -أو رأي المجامع الدولية هو القانون- فلا فرق إلا في العبارات!

ويشرع خالق الأفراد، وخالق الجماعات، وخالق الأمم والأجيال، للجميع، فإذا هي شريعة الله التي لا محاباة فيها لأحد على حساب أحد. لا لفرد ولا لجماعة ولا لدولة، ولا لجيل من الأجيال. لأن الله رب الجميع والكل لديه سواء. ولأن الله يعلم حقيقة الجميع ومصلحة الجميع، فلا يفوته -سبحانه- أن يرعى مصالحهم وحاجاتهم بدون تفريط ولا إفراط.

ويشرع غير الله للناس.. فإذا هم عبيد من يشرع لهم. كائناً من كان. فرداً أو طبقة أو أمة أو مجموعة من الأمم..

ويشرع الله للناس.. فإذا هم كلهم أحرار متساوون، لا يحنون جباههم إلا لله، ولا يعبدون إلا الله. ومن هنا خطورة هذه القضية في حياة بني الإنسان، وفي نظام الكون كله: ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن.. فالحكم بغير ما أنزل الله معناه الشر والفساد والخروج في النهاية عن نطاق الإيمان.. بنص القرآن.

(يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر، من الذين قالوا: آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم، ومن الذين هادوا سماعون للكذب، سماعون لقوم آخرين لم يأتوك، يحرفون الكلم من بعد مواضعه، يقولون:إن أوتيتم هذا فخذوه، وإن لم تؤتوه فاحذروا. ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئاً. أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم. لهم في الدنيا خزي، ولهم في الآخرة عذاب عظيم. سماعون للكذب، أكالون للسحت. فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم. وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئاً. وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط. إن الله يحب المقسطين. وكيف يحكمونك - وعندهم التوراة فيها حكم الله - ثم يتولون من بعد ذلك؟ وما أولئك بالمؤمنين) ..

........................

روي أن هذه الآيات نزلت في قوم من اليهود ارتكبوا جرائم - تختلف الروايات في تحديدها - منها الزنا ومنها السرقة.. وهي من جرائم الحدود في التوراة؛ ولكن القوم كانوا قد اصطلحوا على غيرها؛ لأنهم لم يريدوا أن يطبقوها على الشرفاء فيهم في مبدأ الأمر. ثم تهاونوا فيها بالقياس إلى الجميع، وأحلوا محلها عقوبات أخرى من عقوبات التعازير [كما صنع الذين يزعمون أنهم مسلمون في هذا الزمان!].. فلما وقعت منهم هذه الجرائم في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم تآمروا على أن يستفتوه فيها.. فإذا أفتى لهم بالعقوبات التعزيرية المخففة عملوا بها، وكانت هذه حجة لهم عند الله.. فقد أفتاهم بها رسول!.. وإن حكم فيها بمثل ما عندهم في التوراة لم يأخذوا بحكمه.. فدسوا بعضهم يستفتيه.. ومن هنا حكاية قولهم: إن أوتيتم هذا فخذوه، وإن لم تؤتوه فاحذروا..

وهكذا بلغ منهم العبث، وبلغ منهم الاستهتار، وبلغ منهم الالتواء أيضاً في التعامل مع الله والتعامل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا المبلغ.. وهي صورة تمثل أهل كل كتاب حين يطول عليهم الأمد، فتقسو قلوبهم؛ وتبرد فيها حرارة العقيدة، وتنطفيء شعلتها؛ ويصبح التملص من هذه العقيدة وشرائعها وتكاليفها هو الهدف الذي يبحث له عن الوسائل؛ ويبحث له عن "الفتاوى" لعلها تجد مخرجاً وحيلة؛ أليس الشأن كذلك اليوم بين الذين يقولون: إنهم مسلمون من الذين قالوا: آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم!

أليسوا يتلمسون الفتوى للاحتيال على الدين لا لتنفيذ الدين؟ أليسوا يتمسحون بالدين أحياناً لكي يقر لهم أهواءهم ويوقع بالموافقة عليها! فأما إن قال الدين كلمة الحق وحكم الحق فلا حاجة بهم إليه.. يقولون: إن أوتيتم هذا فخذوه؛ وإن لم تؤتوه فاحذروا! إنه الحال نفسه. ولعله لهذا كان الله -سبحانه- يقص قصة بني إسرائيل بهذا الإسهاب وهذا التفصيل، لتحذر منها أجيال "المسلمين" وينتبه الواعون منها لمزالق الطريق.

.............................

ذلك كان حكم الله على المحكومين الذين لا يقبلون حكم شريعة الله في حياتهم.. فالآن يجيء حكمه -تعالى- على الحاكمين، الذين لا يحكمون بما أنزل الله. الحكم الذي تتوافى جميع الديانات التي جاءت من عند الله عليه:

ويبدأ بالتوراة:

إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور. يحكم بها النبيون الذين أسلموا، للذين هادوا، والربانيون والأحبار، بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء؛ فلا تخشوا الناس واخشون، ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلاًً. ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون. وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس، والعين بالعين، والأنف بالأنف، والأذن بالأذن، والسن بالسن، والجروح قصاص. فمن تصدق به فهو كفارة له. ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ..

لقد جاء كل دين من عند الله ليكون منهج حياة. منهج حياة واقعية. جاء الدين ليتولى قيادة الحياة البشرية وتنظيمها وتوجيهها وصيانتها. ولم يجيء دين من عند الله ليكون مجرد عقيدة في الضمير؛ ولا ليكون كذلك مجرد شعائر تعبدية تؤدي في الهيكل والمحراب. فهذه وتلك -على ضرورتهما للحياة البشرية وأهميتهما في تربية الضمير البشري- لا يكفيان وحدهما لقيادة الحياة وتنظيمها وتوجيهها وصيانتها؛ ما لم يقم على أساسهما منهج ونظام وشريعة تطبق عملياً في حياة الناس؛ ويؤخذ الناس بها بحكم القانون والسلطان؛ ويؤاخذ الناس على مخالفتها، ويؤخذون بالعقوبات.

والحياة البشرية لا تستقيم إلا إذا تلقت العقيدة والشعائر والشرائع من مصدر واحد؛ يملك السلطان على الضمائر والسرائر، كما يملك السلطان على الحركة والسلوك. ويجزي الناس وفق شرائعه في الحياة الدنيا، كما يجزيهم وفق حسابه في الحياة الآخرة.

فأما حين تتوزع السلطة، وتتعدد مصادر التلقي.. حين تكون السلطة لله في الضمائر والشعائر بينما السلطة لغيره في الأنظمة والشرائع.. وحين تكون السلطة لله في جزاء الآخرة بينما السلطة لغيره في عقوبات الدنيا.. حينئذ تتمزق النفس البشرية بين سلطتين مختلفتين، وبين اتجاهين مختلفين، وبين منهجين مختلفين.. وحينئذ تفسد الحياة البشرية ذلك الفساد الذي تشير إليه آيات القرآن في مناسبات شتى: لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا.. ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن.. ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون..

........................................

إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور :

.....................

أنزل الله التوراة لا لتكون هدى ونوراً للضمائر والقلوب بما فيها من عقيدة وعبادات فحسب. ولكن كذلك لتكون هدى ونوراً بما فيها من شريعة تحكم الحياة الواقعية وفق منهج الله، وتحفظ هذه الحياة في إطار هذا المنهج.

وقبل أن ينتهي السياق من الحديث عن التوراة، يلتفت إلى الجماعة المسلمة، ليوجهها في شأن الحكم بكتاب الله عامة، وما قد يعترض هذا الحكم من شهوات الناس وعنادهم وحربهم وكفاحهم، وواجب كل من استحفظ على كتاب الله في مثل هذا الموقف، وجزاء نكوله أو مخالفته:

فلا تخشوا الناس واخشون؛ ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا. ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ..

ولقد علم الله -سبحانه- أن الحكم بما أنزل الله ستواجهه -في كل زمان وفي كل أمة- معارضة من بعض الناس؛ ولن تتقبله نفوس هذا البعض بالرضى والقبول والاستسلام.. ستواجهه معارضة الكبراء والطغاة وأصحاب السلطان الموروث. ذلك أنه سينزع عنهم رداء الألوهية الذي يدعونه؛ ويرد الألوهية لله خالصة، حين ينزع عنهم حق الحاكمية والتشريع والحكم بما يشرعونه هم للناس مما لم يأذن به الله.. وستواجهه معارضة أصحاب المصالح المادية القائمة على الاستغلال والظلم والسحت. ذلك أن شريعة الله العادلة لن تبقي على مصالحهم الظالمة.. وستواجهه معارضة ذوي الشهوات والأهواء والمتاع الفاجر والانحلال. ذلك أن دين الله سيأخذهم بالتطهر منها وسيأخذهم بالعقوبة عليها.. وستواجهه معارضة جهات شتى غير هذه وتيك وتلك؛ ممن لا يرضون أن يسود الخير والعدل والصلاح في الأرض.

علم الله -سبحانه- أن الحكم بما أنزل ستواجهه هذه المقاومة من شتى الجبهات؛ وأنه لا بد للمستحفظين عليه والشهداء أن يواجهوا هذه المقاومة؛ وأن يصمدوا لها، وإن يحتملوا تكاليفها في النفس والمال.. فهو يناديهم: فلا تخشوا الناس واخشون ..

.......................................

كذلك علم الله -سبحانه- أن بعض المستحفظين على كتاب الله المستشهدين؛ قد تراودهم أطماع الحياة الدنيا.

.......................

فناداهم الله:

ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلاً..

وذلك لقاء السكوت، أو لقاء التحريف، أو لقاء الفتاوى المدخولة!

وكل ثمن هو في حقيقته قليل. ولو كان ملك الحياة الدنيا.. فكيف وهو لا يزيد على أن يكون رواتب ووظائف وألقاباً ومصالح صغيرة؛ يباع بها الدين، وتشترى بها جهنم عن يقين؟!

إنه ليس أشنع من خيانة المستأمن؛ وليس أبشع من تفريط المستحفظ؛ وليس أخس من تدليس المستشهد. والذين يحملون عنوان: "رجال الدين" يخونون ويفرطون ويدلسون، فيسكتون عن العمل لتحكيم ما أنزل الله، ويحرفون الكلم عن مواضعه، لموافاة أهواء ذوي السلطان على حساب كتاب الله..

ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ..

بهذا الحسم الصارم الجازم. وبهذا التعميم الذي تحمله من الشرطية وجملة الجواب. بحيث يخرج من حدود الملابسة والزمان والمكان، وينطلق حكماً عاماً، على كل من لم يحكم بما أنزل الله، في أي جيل، ومن أي قبيل..

........................

وبعد عرض هذا الطرف من شريعة التوراة، التي صارت طرفاً من شريعة القرآن، يعقب بالحكم العام:

ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ..

والتعبير عام، ليس هناك ما يخصصه؛ ولكن الوصف الجديد هنا هو الظالمون .

وهذا الوصف الجديد لا يعني أنها حالة أخرى غير التي سبق الوصف فيها بالكفر. وإنما يعني إضافة صفة أخرى لمن لم يحكم بما أنزل الله. فهو كافر باعتباره رافضاً لألوهية الله -سبحانه- واختصاصه بالتشريع لعباده، وبادعائه هو حق الألوهية بادعائه حق التشريع للناس. وهو ظالم بحمل الناس على شريعة غير شريعة ربهم، الصالحة المصلحة لأحوالهم. فوق ظلمه لنفسه بإيرادها موارد التهلكة، وتعرضها لعقاب الكفر. وبتعريض حياة الناس -وهو معهم- للفساد.

وهذا ما يقتضيه اتحاد المسند إليه وفعل الشرط: ومن لم يحكم بما أنزل الله .. فجواب الشرط الثاني يضاف إلى جواب الشرط الأول؛ ويعود كلاهما على المسند إليه في فعل الشرط وهو من المطلق العام.

ثم يمضي السياق في بيان اطراد هذا الحكم العام فيما بعد التوراة.

وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم، مصدقاً لما بين يديه من التوراة. وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور، ومصدقاً لما بين يديه من التوراة، وهدى وموعظة للمتقين. وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون..

....................................

والنص هنا كذلك على عمومه وإطلاقه.. وصفة الفسق تضاف إلى صفتي الكفر والظلم من قبل. وليست تعني قوماً جدداً ولا حالة جديدة منفصلة عن الحالة الأولى. إنما هي صفة زائدة على الصفتين قبلها، لاصقة بمن لم يحكم بما أنزل الله من أي جيل، ومن أي قبيل.

الكفر برفض ألوهية الله ممثلاً هذا في رفض شريعته. والظلم بحمل الناس على غير شريعة الله وإشاعة الفساد في حياتهم. والفسق بالخروج عن منهج الله واتباع غير طريقه.. فهي صفات يتضمنها الفعل الأول، وتنطبق جميعها على الفاعل. ويبوء بها جميعاً دون تفريق.

وأخيراً يصل السياق إلى الرسالة الأخيرة؛ وإلى الشريعة الأخيرة.. إنها الرسالة التي جاءت تعرض "الإسلام" في صورته النهائية الأخيرة؛ ليكون دين البشرية كلها؛ ولتكون شريعته هي شريعة الناس جميعاً.

.............................................

وأنزلنا إليك الكتاب بالحق، مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه، فاحكم بينهم بما أنزل الله، ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق. لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً. ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة. ولكن ليبلوكم فيما آتاكم، فاستبقوا الخيرات. إلى الله مرجعكم جميعاً، فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون. وأن احكم بينهم بما أنزل الله، ولا تتبع أهواءهم. واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك. فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم، وإن كثيراً من الناس لفاسقون. أفحكم الجاهلية يبغون؟ ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون..

ويقف الإنسان أمام هذه النصاعة في التعبير، وهذا الحسم في التقرير، وهذا الاحتياط البالغ لكل ما قد يهجس في الخاطر من مبررات لت


الكاتب: سعيد بن محمد المهاجر
التاريخ: 15/02/2007