هل كُرة القدم اليوم مُجرد رياضة..؟؟!!

 

إنَّ لعبةَ كُرةِ القَدم اليوم تحظى في جميعِ البلاد الإسلامية بمزيدٍ مِن العنايةِ والاهتمام بحيث لا تزاحمها القضايا المصيريّة للأُمّة!!، فأَصبحت هذه اللعبة-مع ما في الساحةِ العالميّةِ مِن أَحداثٍ جسام-قصةَ خداعِ الجماهير خداعًا كاملاً على جميعِ المستويات، فنرى تفاعلَهم مع المبارياتِ على وجهٍ أَشدَّ وأَكثر مِن تفاعِلهم مع مصيرِ بعضِ الشعوبِ الإسلاميّةِ في سائرِ القارات، ويزيدُ هذا التفاعلَ عنايةُ الجرائدِ والمجلّات، وبثُّ المباريات على الشاشات، ونشرُ ما يخصُّ الأَندية والأَبطال!! مِن أَخبارٍ وحكايات! فكانَ ذلك كلُّه سببًا في جذبِ النَّاسِ إِلى الرياضةِ والرياضيين، وساعدَ على ذلك فراغُهم وسذاجتُهم ونسيانُهم الغايةَ التي خُلِقوا مِن أَجلِها، والهدفَ الّذي ينبغي أَنْ يعملوا لتحقيقِه.
وإننا لا نقصد مِن وراءِ هذا الكلام: القول بتحريمِ الرياضة كما يزعم بعض السُذج، بل حظيت الرياضة البدنية بمكانةٍ طيبةٍ في التشريعِ الإسلامي، فقال الله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ}، ودعا إليها الرسول r: بالقولِ، والفعلِ، والإقرارِ.
ويكفي أنْ نُشيرَ إلى أنّه r سابقَ بين الخيلِ، كما سابق r أم المؤمنين عائشةَ t على الأقدام، وصارعَ رُكانةَ فصرَعَه، وندبَ إلى تعلُّمِ الرمايةِ والسباحةِ، وذَمَّ مَن تعلَّمَ الرَّميَّ ثم نَسيه، وفسّرَ القوةَ التي دعا الله تعالى المسلمين بإعدادِها بأنها الرمي، كما أجازَ r للحبشةِ اللعبَ في مسجدِه بالحراب، وأباحَ لعائشةَ t النظرَ إليهم آنذاك، ويقول r: ((الْمُؤْمِنُ الْقَوِىُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وَفِى كُلٍّ خَيْر))[صحيح مسلم ح6945]، فهذه الأدلةُ وغيرُها كانت دليلاً واضحًا على أنَّ الإسلامَ اهتمَّ بالرياضةِ البدنيةِ اهتمامًا وسَطًا، لا إفراطَ فيه ولا تفريط، ولو أنَّ الأمرَ في كرةِ القَدم توقف عند حدِّ ممارستِها كرياضة بدنية لكانت مِن الأُمورِ المشروعةِ، يقول شيخ الإسلام ابن تيميّة-رحمه الله-:"...ولعبُ الكرةِ إِذا كانَ قصدُ صاحبِة المنفعةَ للخيلِ والرجالِ؛ بحيثُ يُستعانُ بها على الكرِّ والفرِّ، والدخولِ والخروجِ ونحوهِ في الجهادِ، وغرضُه الاستعانةُ على الجهادِ الّذي أَمر الله به ورسولُه r فهو حَسن، وإنْْْْْْْْ كانَ في ذلك مضرةٌ بالخيلِ والرّجالِ، فإنّه يُنهى عنه"[مختصر الفتاوى المصرية لابن تيمية1/485]. والأصلُ في حَضِّ الإسلامِ على الرياضةِ أنْ يُباشرَها المسلمُ بنفسِه، لتحصلَ له القوّةُ المطلوبةُ، أما كرةُ القدمِ اليوم فهي الهوسُ المتسلّطُ على عقولِ الأَجيالِ: فمِن أَجلِها تُقامُ المعاركُ، ولجلالِها تُطَلَّقُ الزوجاتُ، وتُقَطَّعُ أَواصرُ القُرباتِ، ويَطعنُ الأَخُ بالسكينِ أَخاه، هذا غير ما اعتاده كثيرٌ مِن المشاهدين مِن بذاءةِ الأَلسنِ ووقاحةِ العباراتِ، والتخاطبِ بالفُحشِ، ورديءِ الكلامِ، وقذفٍ ولعنٍ لبعضِهم!! ويومَ أَنْ تُقامَ مباراةٌ بين فريقين لامعين، فكأنَّ الحربَ الضروسَ قد أُعلنت، ورُفعت لها الراياتُ، وانبرت لها الإذاعاتُ، وهُيّئت لها الشاشاتُ، وأَعدَّ المشجعونَ لها الأحجارَ، والسكاكين، والطبولَ، والمزاميرَ، والأَناشيدَ الجماعيّةَّ، والهتافاتِ القويّة! وما أَنْ تنجليَ المعركةُ الحاميةُ عنْ هزيمةِ أَحدِ الفريقين، حتّى ينتقلَ ميدانُ المعركةِ مِن ساحةِ الملعبِ، ليكونَ ميدانُها في البيوتِ، والمدارسِ، والدواوين، ومكاتبِ الموظفين، والمقاهي، وفي المجتمعِ الصغير والكبير، وما أنْ تهدأَ حِدتُها، وتنجلي غمرتها، حتّى تبدأ معركةٌ أُخرى بمباراةٍ ثانية...وهلمّ جرّا.
فإنَّ الكُرةَ التي لا تَزيدُ على بِضعةِ سَنْتِيمتراتٍ! في القُطْرِ والمُحيطِ قد زَادَ حَجْمُها في حياةِ أكثرِ أبناءِ المسلمينَ عنْ حَجمِ الأرضِ؛ إنَّه الهوَسُ والسَّفَهُ معًا! وإذا رفعتَ صوتَ المنطق لتناقشَ أَحدَ هؤلاءِ المصابين بالهوسِ الكروي، قال لك بملءِ شدقيه: (إِنّني رياضي)!! ونقولُ لهذا الرياضي! الذي لا يُحسن إلا رياضة الصُراخ والهتاف: ما معنى أنْ تعبدَ ناديًا وتتعصبَ له؟! معنى ذلك أنّك ضحلُ التفكير، ضيقُ الأُفقِ، أَنانيّ الطبعِ، مستبدٌّ برأيك، لا تفهمُ شيئاً عنْ الروحِ الرياضيّةِ، ولا تُجيدُ مِن أَنواعِ الرياضةِ إِلاّ التصفيقَ الأَرعنَ، والهتافَ المحمومَ، إنَّ الرياضةَ في وضعِها الحالي مُنكرٌ على مستوى الأُمّة! ففي الوقت الذي تُقتَل فيه الأمة الإسلامية في شرقِ الأرض وغربها، نرى هذه المهاترات والمباريات وما يَحصلُ فيها مِنْ قَتلٍ للأوقاتِ، وضياعٍ للطَّاقاتِ، وهَدْرٍ للأموالِ وغيرِ ذلك مِنْ مَسالِكَ مَاسِخَةٍ لِما بقيَ مِنْ الهُوِيَّةِ الإسلاميةِ! فمِنْ ذلك: حُبٌّ وبُغضٌ لغيرِ الله، وولاءٌ وعَداءٌ لا لله، وصَدٌّ عنْ ذِكرِ الله، فلا أُخُوَّةَ بينهم إلا ما سَنَّتْهُ الرياضةُ، ولا ثقافةَ لهم إلا ما أمْلَتْهُ الصَّحافةُ! ومع هذا أيضًا: نَعَرَاتٌ جاهليَّةٌ، وصَيْحَاتٌ صِبْيانيَّةٌ، وحركاتٌ خَرْقاءُ، وقبلَ هذا وبَعْدَهُ: تَصفيقٌ وتَصفيرٌ، وهَمزٌ وغَمزٌ، وسَبٌّ ولَعْنٌ...بل صَعقٌ ومَوتٌ عِنْدَ بَعْضِهِم!؛ وما أَشبه المفتونين المهووسين بالكرةِ بالّذين قال اللهُ تعالى فيهم: {وذرِ الّذين اتخذوا دينَهم لعبًا ولهوًا وغرّتهم الحياةُ الدنيا}،وقد قال شيخُ الإِسلامِ ابن تيميّة-رحمه الله: "إنَّ العلومَ المفضولةَ إِذا زاحمت العلومَ الفاضلةَ، وأَضعفتها فإِنّها تحرم"، فإِذا كانَ الأَمرُ هكذا في العلومِ المفضولةِ، فكيفَ باللعبِ بالكرةِ إَذا زاحمَ العلومَ الفاضلةَ وأَضعفها، كما هو الواقعُ في زماننا، مع أَنَّ اللعبَ بالكرةِ ليس بعلمٍ؛ إِنّما هو لهوٌ ومرح!! وهل خلقنا الله سبحانه وتعالى مِن أجلِ الرياضةِ واللعبِ؟! أَم أنَّه خلقنا عبثاً وباطلاً؟ سبحانه. وصدقَ اللهُ العظيمُ: {فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}.
إنَّ هذا الهوسَ الرياضيَّ دفعَ بعض سَدَنَةِ الرِّياضة وأقزامِ الصحافةِ إلى تقليبِ الحقائقِ، والتلاعُبِ بالألفاظِ الشرعيَّةِ، وهو ما ذكرَهُ أحدُ عُشَّاقِ كُرةِ القَدمِ يومَ شَبَّهَ أحد المنتخبات الرياضية بعدَ تَصَدُّرِهِ على فِرَقِ آسيا، وذهابِهِ إلى أسْبانيا بأنَّه: شَبيهٌ بفتحِ الأنْدَلُس، كما عقدَ مُقارَنةً بين صَقْرِ قُريشٍ عبدِ الرّحمنِ الدَّاخِلِ، وأحد اللاعبِين المنحلين، وجعل أيضًا أفرادَ ذلك المنْتخَبِ في مَصَافِّ الصَّحابةِ y، حيثُ تلا قولَه تعالى: {رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ}، وآخَرُ يَصِفُ أحدَ اللاعبِينَ بأنَّه: مَعْبُودُ الجماهيرِ، بل قد سجد أحدُهم بين قدمي لاعبٍ كافر، وقَبَّلَ قَدَمه التي سجَّل بها الهدف!!...إنَّها مَأساةُ جِيْلٍ نَشَأَ عَلى اللَّهوِ وسَفَاسِفِ الأُمُورِ، فإلى الله تُرْجَعُ الأمُوْرُ!.
فمسابقاتِ كرةِ القدمِ، أصبحت وسيلةً لقلبِ الموازين؛ حيثُ أصبحَ البطلُ في هذا الزمانِ لاعبَ الكرةِ لا المجاهد المدافع عنْ كرامةِ الأُمةِ وعزّتها، بالإضافةِ إِلى بذلِ الأموالِ الضخمةِ للاعبين، وبذل الحب لهم وإنْ كانوا كافرين، بل كثير مِن الناسِ أُولعوا أشدَّ الولعِ بهؤلاء وسموهم أبطالاً ونجومًا؛ وحفظوا أسماءهم وما قاموا به مِن الألعاب وما نالوا مِن الجوائز، ومتى انتصروا؟!، وأين انهزموا؟!، وإذا سألتَ واحدًا مِنهم عنْ اسمِ نبيه وسيرتِه وأسماءِ أصحابِه المشهورين، وعنْ أركانِ الإسلامِ ومعتقداتِه اللازمة، والأدعيةِ المأثورة؟!، لا يكاد يجيبك عنها بشكلٍ صحيح.
فلا شكَّ أنَّ كُرةَ القَدمِ قد أصبحت بعد هذا المنْحَى الخطيرِ: مَذْهبًا فِكْريًا، وطَاغُوتًا عَصْرِيًّا! فإننا نَجِد أنَّ أصحابَ الرياضة يُوالون ويُعادون عليها، بل يغضبون مِن أجلِها ويرضون مِن أجلِها، وهذه عبودية-شاءوا أم أَبَوا-! فأولئك النَّفر قد اتَّخَذُوا كُرةَ القَدمِ إلَهًا مِنْ دُونِ الله، فعليها يُوَالُونَ، ومِنْ أجْلِها يُعادُونَ، فقد أحبُّوها أكثرَ مِنْ حُبِّهِم لله، ورَسُولِهِ، والمؤمنينَ، كما قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ}، وقد قال r عنْ عبوديةِ الدينار والدرهم: ((تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ وَالْقَطِيفَةِ وَالْخَمِيصَةِ إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ وَإِنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضَ))[صحيح البخاري ح6435]، فالتعلّق بغيرِ الله تعلقًا يصرف القلب عنْ الله هو في حقيقتِه عبودية لغير الله، ومِن ثَمَّ فلا عجب أنْ ترى المساجد شِبه خالية في صلاةِ الفجرِ خاصة، بينما لا ترى الملاعب إلاّ ممتلئة مُكتظّة! ولا عجب أنْ ترى مَن يتأخّر عنْ الصلاةِ لكنه يُسابِق على المباريات! وفي المقابل يتضجّر مِن تأخّر الإمام أو إطالةِ القراءة أو الخُطبة-هذا إنْ حَضَر! بل لا عجب أنْ تُصبحَ الرياضة بهذه الصورة إذا علمتَ أنها ضمن بروتوكولات جُبناء صهيون!، جاءَ في البروتوكول الثالثَ عَشَر مِن (بروتوكولاتِ حكماءِ صهيون): "ولكي تبقى الجماهيرُ في ضلالٍ، لا تدري ما وراءها، وما أَمامها، ولا ما يُرادُ بها، فإِنّنا سنعملُ على زيادةِ صرفِ أَذهانِها، بإِنشاءِ وسائلِ المباهجِ والمسلياتِ والأَلعابِ الفكهة، وضروبِ أَشكالِ الرياضة، واللهو، وما به الغذاءُ لملذّاتِها وشهواتِها، والإِكثارِ من القصورِ المزوّقِة، والمباني المزركشةِ، ثمَّّ نجعلُ الصحفَ تدعو إِلى مبارياتٍ فنيّة ورياضيّة"[بروتوكولات حكماء صهيون1/ 258].
يا أمةً ضَحِكت مِن جهلِها الأممُ!، أمة يُسخَر بِنبِيِّها r وهي تضحك وتفرح وتقفز خَلْف كُرة!، أُمة تُنتهك أراضيها وهي تلعب بمصيرِها!، أُمة تتسلّط عليها شرذمة قليلة مِن إخوانِ القردةِ والخنَازير، وهي تلهو وتلعب!، ليت هذا الفرح كان بتحرير القِبْلةِ الأولى..ليت هذا الفرح كان بالنصرِ على الأعداء..ليت هذا الفرح كان بِطردِ العدو المحتلّ مِن كلِّ شِبرٍ مِن أراضي المسلمين في فلسطين وكشمير والشيشان وأفغانستان والعراق وغيرها مِن بلاد المسلمين المغتصبة.
إذًا نحن ضد كُرة القدم كوسيلةٍ لإلْهَاءِ المسلمينَ، وتَبْديدِ ثرواتِهم، وإهدارِ طاقَتِهِمْ فيما لا طائلَ تحتَه؛ بل كلُّ هذا على حسابِ قضاياهم الإسلاميةِ، في حين أنَّ المسلمينَ اليوم أحوج ما يكونون(ضرورةً!) إلى مُراجعةِ حِسَاباتِهم، والعودةِ إلى دِينِهم، والاصْطِفافِ في وجهِ العَدوِّ الغاشِمِ الذي ما زال حتى ساعتنا هذه وهو يَستبِدُّ ببلادِ المسلمينَ، ويَستبيحُ دِمَاءهُم: فقتلٌ هنا، ودمارٌ هناك، وتجويعٌ هنالِك، فإلى الله المشتكى، وهو المستعانُ على ما يصفونَ! .


الكاتب: أبو البراء الغزي
التاريخ: 21/04/2011