محاكمة الولايات المتحدة الامريكية

 

 

محاكمة الولايات المتحدة الامريكية

حامد بن عبدالله العلي

*كثيرا ما يتحدث المعجبون بالثقافة التغريبية ، التي يطلقون عليها ليبرالية ، عن الحوار الحضاري ، وأنه خير سبيل إلى تحقيق السلام والأمن العالميين ، وانطلاقا من هذا المنطلق ـ من باب التنزل على سبيل الجدل ـ نكتب هذا المقال ، ليكون رسالة من الشعوب الإسلامية إلى الإدارة الأمريكية ، وفيها نتقدم بلائحة التهم التي يرى الناس أمريكــا ملتبسة بها ، ونطلب من الإدارة الأمريكية أن ترد عليها بالحجة والمنطق لأنها ـ كما تزعم ـ دولة الحرية التي تؤمن بالديمقراطيّة ، والحوار الحر.

*دخل القاضي إلى صالة المحكمة ، وأخذ مكانه في المنصة ، وتجمعت شعوب العالم كلها ، على مدرجات بعضها فوق بعض ، وفي الصفوف الأولى جلس المسلمون الذين هم أكبر ضحايا المجرم الذي سيحاكم اليوم .

*أمر القاضي الادعاء أن يقوم فيتلوا التهم الموجهة إلى المجرم :

*قال الادعاء الذي ينوب عن المسلمين وكل شعوب العالم :

*أيها القاضي الموقر : هذا ما اقترفه هذا المجرم الذي يطلق على نفسه الولايات المتحدة الأمريكيــة في حق شعوب الأرض ، وسأوجه الكلام إليه مباشرة :

*لقد بدأتم تاريخكم بذبح وإبادة الهنود الحمر للاستيلاء على أراضيهم ، واستعباد الزنوج لاستخدامهم في المزارع والمناجم ، وقد فعلتم ذلك بناء على عقيدة حق التضحية بالآخر ، ولهذا لما رأى ما يكل هولي إيجل أحد نشطاء هنود شعب السو ، ما يحصل للفلسطينين من إبادة تحت رعاية أمريكية قال كلمة سنة 1996 جاء فيها "هذه واحدة من الإبادات الكثيرة التى واجهناها وسيواجهها الفلسطينيون.. إن جلادنا المقدس واحد". !!

*واستمرت هذه السياسة متواصلة ، بطرق شتى ، لم يتغير فيكم شيء ، فعلى سبيل المثال ، ها أنتم قد دبرتم ـ مع غيركم من دول الغرب ـ سلسلة اتفاقيات دولية في شؤون التجارة والزراعة والصناعة أدت في النهاية إلى تراكم أربعة أخماس الموارد الطبيعية على الكوكب في يد خمس سكانه
.
*كما أدت إلى تفاقم الهوة بينكم بين العالم الفقير ، لمجرد أنكم تريدون أن تعيشوا أكثر من إمكانياتكم الحقيقية ، وأحدثتم أسطورة عولمة الاقتصاد ، لتخدعوا بها العالم الثالث ، بينما صرح جيمس جوستاف سبيث ، رئيس برنامج الأمم المتحدة للتنمية ، في حديث لجريدة اللوموند الفرنسية ( هناك أسطورة يجب مجابهتها ، هي تلك الخاصة بعالم يتقدم بفضل عولمة الاقتصاد العالمي ، ويتقدم من أفضل إلى أفضل تحت قيادة خمسة عشر تنِّينا ، وفي الواقــــع ـ يكمل السيد سبيث ـ فإنه في أكثر من مائة دولة ، انخفض دخل الفرد عما كان عليه منذ خمسة عشر عاما مضت ، هناك ما يقارب من مليار وستمائة مليون فرد ، يعيشون على نحو أسوأ مما كانوا عليه في الثمانينات ) .

*وما أسميتموه بالنظام العالمي الجديد ، تبين أنه ليس سوى امتداد للعلاقة الاستعمارية السابقة بين المركز وهو أنتم الآن ، وباقي العالم كله وهو الأطراف في نظركم ، تماما كما كانت العلاقة بين لندن ودلهي ، وبين باريس ودكار أيام الاستعمار الأوربي .

*إنها علاقة استعمارية تعني تبعية عسكرية وسياسية ، وتسمح للمستعمر بتحويل المستعمرة أو الدولة التابعة إلى ملحق للاقتصاد المركزي ، كما تسمح له بفرض قواعد التبادل والجمارك أحادية الفائدة لصالحه .

*وجعلتم صندوق النقد الدولي أداة لتكبيل الدول بالديون وجعل اقتصادها في أيدي شركاتكم العملاقة ، وليفرض التنمية الأكثر ملائمة لمصالحكم .

*كما تقومون بالتدخل العسكري المباشر لحماية مصالحكم التجارية بحجة حماية الديمقراطية ، وبزرع الدكتاتوريات وحمايتهم لنفس الغرض ، من موبوتو في إفريقيا ، إلى ماركوس في الفلبين ، وسوهارتو في اندونيسيا دهرا طويلا حتى تم إسقاطه ، إلى الحكام المستبدون في الشرق الأوسط الذين يخدمون مصالحكم ، إلى شارون ، لقد قلتم ما يلي : ( في الدول التي يصعب فيه التحكم في الشرطة والعسكريين بطريقة مباشرة ، يجب قلب نظام الحكم ، وأن يصل إلى الحكم فيها نظام أكثر توددا للولايات المتحدة ، وأن يوضع على رأس القمة والحكم ( جيش دائم التواجد في السلطة ) على طريقة الحرس الوطني ، أعوان سوموزا ، الذي ظل طول سنوات حكمه من المقربين لأمريكا ) مكتب الاستخبارات الأمريكية للمعلومات المتداولة مجلة oci عدد 1806:65

*وأنتم تمنعون الشعوب الجنوبية النامية من استخدام مواردها لخدمة شعوبها ، مثل ما فعلتم في إعادة الشاه ، والقضاء على مصدق بعد أن أمم البترول ،مما أدى بعد ذلك أن تأخذ الشركات الأمريكية 40% مما كان حصة بريطانيا .

*وقوتكم لها هدف واحد ، هو ما وصفه المؤرخ ريتشارد أيرميرمان ( القوة والأمن الأمريكيين يعتمدان بشكل أساسي على الحصول على المواد الأولية من العالم وبالتدخل في أسواقه الداخلية ، وبالأخص في دول العالم الثالث التي يجب أن تبقيها الولايات المتحدة تحت السيطرة الشديدة ) diplomatic historyصيف 1990م .

*إنكم لا تتدخلون باسم حرية الشعوب ، وبزعم نشر الديمقراطية ، ومحاربة الدكتاتوريات إلا إذا تهددت مصالحكم الاقتصادية ، أو خشيتم على أمن حلفاءكم الصهاينة ، مع أنكم قبل لحظة التهديد هذه ، على علم بما تفعله الأنظمة البوليسية من أنواع البطش والاستبداد ، بل أحيانا تعينونها على ذلك ، كما فعلتم بعد هزيمة صدام حسين في حرب 1990 ، فقد سمحتم له باستعمال الطائرات المروحية لقمع انتفاضة الجنوب في العراق ، وإطلاق صواريخ سكود على بيوت المدنيين ، وقتل الآلاف من الأطفال والنساء والشيوخ ، لإخماد الثورة ، وذلك كله حصل تحت سيطرتكم وسلطتكم إثر الانتصار في الحرب .

*وهاأنتم الآن تدقون طبول الحرب لشن الغارة على العراق ، لاضرام نار حرب دمار جديدة في الشرق الأوسط ، مع أنها بلاد بعيدة عنكم آلاف الأميال ، لكنكم تصرون على إشعال هذه الحرب ، لتبسطوا أيديكم على ثروات الشعوب ، وتحموا أولياءكم اليهود ، غير عابئين بما سيحصل جراء ذلك من دمار شامل ، وإهراق دماء الأبرياء .

* وأنتم أيضا لا ترون حرجا في إلقاء القنابل المحرمة دوليا ، كما فعلتم من قبل في إلقاء القنابل الذرية على مدن اليابان ، وحرق قرى الفلبين بالأسلحة الكيميائية ، وأخيرا في أفغانستان ، لتحافظوا على غطرستكم .

*وها أتم تجعلون كل من يعارض حبكم للحرب والدمار ، من أجل إنقاذ اقتصادكم الذي يتهاوى بسبب نظامكم الرأسمالي الربوي الجشع ، تجعلون كل من يعارضكم في خانة الأعداء .

*وتقودون العالم إلى الهاوية بسياسة مجنونة يحدوها الطمع والغطرسة .

* وأنتم على استعداد لتدمير الشرق الأوسط ، وإغراقه في الفوضى ، من أجل حماية دولة محتلة دخيلة على المنطقة وهي الكيان الصهيوني .

*وقد جعلتم الأمم المتحدة مؤسسة لتسجيل الرغبات الأمريكية وتنفيذها ، وساتر ومبرر قانوني للمخططات الأمريكية ، وأداة للتنصل من الجرائم وإثبات البراءة المعدة سلفا لما تفعله الإدارة الأمريكية .

* وكل قيمكم التي تزعمونها من العدل السياسي ، والعدل الاقتصادي برفع مستوى معيشة الفقراء في العالم ، واحترام الإنسانية ، وحقوق الإنسان ، والحرية ، كلها قد انكشف للناس زيفها .

* وقد أقررتم بهذا الأمر بلسان مقالكم فضلا عن لسان حالكم ، فلسنا نؤاخذكم إلا بما تنطق به ألسنتكم ، كما قال بول نيتز في المذكرة السياسية لمجلس الأمن القومي ncs68 عام 1948 العام الذي أعلنت فيه أمريكا تأييدها للكيان الصهيوني ثم بعد ذلك رعت كل جرائمه قال : ( نحن نملك 50% من ثروة العالم ، غير أننا نمثل 6،3% سكانه فقط .. وفي مثل هذه الوضع ، لايمكن تجنب أن نكون هدفا للضغينة والغيرة ، فمهمتنا الحقيقية ، في الفترة القادمة ، هي تطوير نظام للعلاقات يسمح لنا بالحفاظ على هذه المكانة ، دون تعريض أمننا القومي للخطر .. ولتحقيق هذا ، علينا أن نتخلص من أي رومانتيكية ، وأن نكف عن الحلم ـ يقصد الاهتمام بنشر المثل والقيم في العالم ـ مع البقاء متيقظين ، وألا يصيبنا الغرور ، ولايمكن أن نسمح لانفسنا اليوم باتباع رفاهية حب الغير ، والخير على الصعيد العالمي ... وكذلك حقوق الإنسان وإرساء الديمقراطية ، ولن يكون بعيدا اليوم الذي سيكون علينا فيه استخدام القوة ) دراسات سياسة التخطيط ( ppsلـ23 فبراير 1948).

*هذه هي التهم حضرة القاضي ، والادعاء نيابة عن المسلمين وشعوب العالم يطالب بأقصى العقوبة على هذا المجرم .

* وفي هذه اللحظة يكاد المجرم ينهار بعد أن سمع ما سمع ، لولا أن يتدخل محامي الدفاع ، فيسنده ويجلسه على الكرسي ، وقد كاد أن يخــر مغشيا عليه.

*ويتعالى الصياح في أرجاء الصالة ، تأييدا لما قاله الادعاء العام العالمي ، ويطلب القاضي من الجميع الصمت ، ويوجه الكلام إلى محامي الدفاع ، مطالبا إياه أن يرد على التهم.

* ويقف محامي الدفاع ، فيقول : أيها القاضي الموقر ..

والبقية تأتي في المقال القادم إن شاء الله تعالى .

 


الكاتب: حامد بن عبدالله العلي
التاريخ: 06/12/2006