المشاريــــــع الثلاثـــــــــة ومستقبــــل المشــــــروع الجهــــادي

 

المشاريــــــع الثلاثـــــــــة ومستقبــــل المشــــــروع الجهــــادي

حامد بن عبدالله العلي

قد بدا جليــّا وبغير ريب ، أن المشاريع الفاعلة المتصارعة اليوم في هذا الجزء الأوسط من العالم ، حيث مهد الحضارات ، ومعتركها في نفس الوقت ، وملتقى الأمم ، وكنوز الأرض ، ومركز التاريخ ، ومنطلق مستقبل البشـــــريّة ،

ثلاثة مشاريع فحســب :

أحدها : مشروع الجهاد الإسلامي :
ــــــــــــــــــ

وهو مشروع كان لقائــده الشيخ أسامة بن لادن حفظه الله ـ إن قلنا على مستوى الفكر والتنظير ، أو التنظيم والتخطيط ، أو التنفيذ المباشر والمتابعة ، أو الدعم المادي والمعنوي ، أو مصدر الحماسة الروحية غير المباشرة المستقاة من الرمزية ، فكل ذلك مطابق للحقيقة تماما ـ ريادة الانطلاق المدوي ..

ولاجـــرم ، فهي شخصيّة قــد وصفها أعتى أعداءها بما يلي :

قال صاحب كتاب " هوبرة إمبريالية " :

" ليس هناك, في كل مجالات المواجهة بين أميركا والإسلام المتشدد, مجال بذلنا فيه جهداً أكبر من ذلك المتعلق بفهم شخصية وطباع بن لادن ، والمعلومات المتوافرة لا تقدم سبباً للاعتقاد بأنه يختلف عمّا هو معروف عنه : أي انه مسلم ورع بشخصية آسرة موهوبة, يتّسم بالكرم والهدوء والشجاعة على الصعيد الشخصي ، كما تتوافر له القدرة على التخطيط الاستراتيجي والتكتيكي الصحيح, والدعم من معاونين قديرين, والعناد الذي قد يصل حد ... لكنه ضروري لما يقوم به - واخيراً, الصبر الذي يبدو بلا حدود ،

إن لدينا سبع سنين على الأقل من التقارير عن بن لادن, البعض منها ثانوي والآخر يقوم على كلام متناقل, لكن غالبيتها تأتي من صحافيين مسلمين وغربيين التقوه أو ممن قاتلوا أو عملوا معه ، ويدعم كل هذه التقارير, ما رأيناه من التطابق بين كلامه وأفعاله خلال غالبية العقد الماضي.

الغالبية الكبرى من التقارير تدعم هذا الرأي في مواهب بن لادن وشخصيته ، أما ما يتبقى فهي من مصادر غير مسلمة, من بينها صحافيون وأكاديميون ومسؤولون أميركيون وغربيون حاليون وسابقون, إضافة إلى أنظمة مسلمة ! يهدد بن لادن بتدميرها ، ويكشف ذلك عن جهل عميق ويهدف عموماً إلى تصوير بن لادن على أنه رجل عصابات شرس يفتقر إلى الذكاء, بشخصية يتلاعب بها "آخرون" ، ولا يلعب البعد الديني في هذه التصورات أي دور في تفسير جاذبية بن لادن, بل تؤكد أن اتباعه يأتونه بدافع المال, ولولا المال لما كان أكثر من مجرم فرد مهووس بالقتل. هذا يقدم لنا الصورة التي نريدها لبن لادن.

لكن من بين طرق دحض هذه الصورة والخطر الذي تمثله على فهمنا لظاهرة بن لادن الإشارة إلى التزامه تهديداته وقدرة "القاعدة" وحلفائها على التنفيذ .. " نشرت صحيفة الحياة بتاريخ 8/8/2004م ملخصا لهذا الكتاب المهم .

وهذا المشروع يتميز بما يلي :

* وضوح الرؤية للمشهد السياسي العالمي .

" ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردّوكم عن دينكم إن استطاعوا " .

* الحسم النهائيّ والقطعيّ في تحديد الأهداف العليا ، والمرحليّة على مستوى التنظير للمشروع ، فليس ثمة وقت عنده لتضييعه في الجدل والصراعات الداخليّة في أمور مسلّمة .

" وقاتلوهم حتى لاتكون فتنة ويكون الدين كلّــه لله " .

*دمج ديناميكي رائع وحيوي بين التنظير والتنفيذ العملي المباشر والحاسم والسريع ذي التضحيات التي تفوق المقاييس ، حتى تميــّز بقدرته على أخذ زمام المبادرة قبل عدوّه الذي لا يقارن به على مستوى موازين القوى الماديـّة ، حتى يجبره على تحديد مسار المعركة ، ويستنزفه إرهاقاً في متابعة خططه ، ثم يفاجأه بضربات مـــــن حيث لا يحتسب ، وقد استغل قانون توازن الرعب ، استغلالا مدهشا .

" انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله " .

* التسامي بالتطلّع للآخرة عن الركون لأطماع دنيويّة ، أو المداهنة في الحق ، أو قبول الصفقات المشبوهة مع العدو .

" هل تربّصون بنا إلا إحدى الحسنيين ، ونحن نتربّص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينــــــا " .

وهو مشروع يخوض معركته الأساسية اليوم في المثلث السني ، الأنبار وما حولها ، ونحن هنا لا نبخس بقية مواطن الجهاد فلسطين ، الشيشان ، أفغانستان حقها ، غير أن المعركة الام التي سيكون لعاقبتها أعظم الأثر على كل أصقاع الجهاد ، إنما تخاض في هذا المثلث بلا ريب ، فهــم اليوم سيف الإسلام ، وحماة البيضة ، ودرع الأمة .

المشروع الثاني : المشروع الصهيوصليبي :
ـــــــــــــــــــــــ

وهو مشروع يهدف كما ذكرنا مرارا إلى هيمنة الإمبراطورية الأمريكية بروحها المشبعة بالصليبيّة المتصهينة ، عن طريق العنف الإمبريالي اللامحدود المباشر ، فهي حملة صليبية ، تقودها أطماع مادية ، وأهداف صهيونية.

ولم تكن العصابة التي خططت لهذا المشروع ، تجهل أن العراق ليس فيه أسلحة دمار شامل ، ولا أنه ليس له علاقة بالقاعدة ، كما لم تكن تحمل هم موافقة الأمم المتحدة على حربها أم لا ، وإنما رأت في العراق الكنز الأكبر ، والحلقة الأضعف ، والموطئ المناسب لإنطلاق المشروع .

لقد رأته كذلك من عينها الصليبيّة ، حيث تضرب الإسلام في أعمق مراكز حضارته ـ ولم تخف على أحد رمزية إعلان انتهاء العلميات في تكريت حيث القلعة التي ولد فيها صلاح الدين الأيوبي ـ وتحوله إلى معقل لها ، ومن عينها الصهيونية حيث الخوف اليهودي المتوارث من العراق واستعصائه التاريخي مع قيمته التراثية اليهودية ، ومن عينها اللصوصية حيث يزخر العراق بكنوزه التي لاتقارن بغيره.

وملحقات هذا المشروع هي كل دول المنطقة المتحالفة معه ، والمنقادة إليه ، وكل ما يتبعها من مؤسسات حتى الدينيّة منها ، سخّرت له ، شاءت أم أبت ، حتى لو كان بالسكوت فالساكت هنا إنما هو الشيطان الأخرس بعينه .

كما قال الشاعر علي الغاياتي :

وعـداةٌ ملكـوا الأمـر ولــم ** يحفظوا للشعب في حــقّ ذمـاما
وولاة أقسـمـوا أن يسجـدوا ** كلمــا رام العدا منهــــم مراما
ربّ ماذا يصنع العربـــيّ إن ** جاوز الصبـــر مدى الصدر فقاما


والحركات الإسلاميّة التي تعارض المشروع الجهادي انقسمت إلى قسمين :

أحدهما : بقي في موقف المتفرج ، وقد خرجت هذه بالكلية عن الفاعليّة والتأثير ، فليست في العير ولا في النفير " ومنهم أميّون لا يعلمون الكتاب إلا أمانيّ وإن هم إلا يظنّون "

والثانية : إنما هي جزء من الكيانات الهزيلة لدول المنطقة المتحالفة مع المشروع الصهيوصليبي ، تأتمر بأمره عندما تأتمر بأمر سلطتها التي تسترزق منها ، فهؤلاء كما قال تعالى " سمّاعون للكذب أكالون للسحت " .

ومن هؤلاء من زاد على سماع الكذب والسكوت عليه ، بأن لجّ في ضلاله ، وركبه الشيطان ، واتخذه بوقا للمشروع الصليبي الصهيوني .

واتّبعهــم اتبــاعٌ لهــم ، من أهل البلادة والبله ، أو من أهل الطمع وعاجل اللذات ، غلب عليهم الهوى ، ووجدوا من يرفع عنهم الحجر فمالوا إليه سراعا يلهثون.

وغدوا ينظّــرون لهذا المشروع الذي لم يمر على أمتنا أخبث منه ، ولا أشد خطرا ، فيحرفون الكلم عن مواضعه ، اشد من تحريف اليهود للكتب المنزلة .

وقد عقدوا عقدتهم التي نفثوا فيها كذبهم ، من أن هؤلاء الكفرة الأرجاس أهل عهد وأمان ، مهما فعلوا في بلاد الإسلام ،

هذه المعاهدات التي ما أصدق قول الرصافي عنها :

والعهد بين الإنجليـــز وبيننـــا ** كالعهد بين الشـاة والرئبال
من ذا رأى ذئب الذئاب مصافحا ** بتـودد حمـلا مـن الأحمال
لكنهم خافـوا افنفكــاك قيودنــا ** فاستوثقــوا منهــنّ بالأقفال
كتبوا لنا تلك العهود وإنمـــا ** وضعـوا بها قفلا من الأغلال
شُلــت أكف موقعيهــــا إنهم **حلــت عليهــم لعنـة الأجيـــال
هب أنّهم أمنوا انفكاك قيودنـا ** أفيأمنــــون تقلب الأحــوال

وصدق : شلّت أكف موقّعيها إنهم ** حلّت عليهـــم لعنة الأجيــــال

ثم ما لبثوا حتى عقدوا عقدة أخرى ، نفثوا فيها كذبة أخرى ، وهي أن جهاد المشروع الصهيوصليبي باطل لفقدان شروطه ، ثم أكملوها بثالثة بأن ولاية حكومة الاحتلال صحيحة لعدم الحاجة إلى شروط صحة أصلا !!

فتأمل كيف جندهم إبليس دركة دركة ، فصححوا دخول المحتلين ، ثم أبطلوا الجهاد ضــــده ، ثم صححوا آثار الإحتلال وجعلوها لازمة للمسلمين ، كل ذلك باسم الإسلام ، والفتوى الشرعيـة ، فأي ضرر على الأمة أشد من هذا الضرر ، وصدق الصادق المصدوق " أخوف ما أخاف على أمتي الأئمة المضلون "

والمقصود أن كل هؤلاء تبع للمشروع الصهيوصليبي ، إما وجود هو جزء منه ، أو يمده ، أو وجود كعدم .

المشروع الثالث هو المشروع الإيراني الرافضي :
ـــــــــــــــــــــــــ

ولهذا المشروع خطورته أيضا ، وقد تفاخر بدوره في تمهيد الطريق أمام المشروع الصليبي الصهيوني في أفغانستان والعراق ، وكان يرجو أن يكون ذلك في مصلحة مشروعه الخاص للهيمنة على العراق فالخليج فالجزيرة ، وإعادة الحلم الفاطمي ، الذي أسقطه صلاح الدين.

وقد رأينا كيف يقوم السيستاني وعصابته بدور المنقذ لمأزق الإحتلال في العراق ، في توزيع أدوار واضح ومخطط له مع عصابات أخرى ، تقوم بتمكين تغلغل المشروع الإيراني الرافضي في جنوب العراق من جهة أخرى ، وفي حكومته العميلة أيضــا ، في الوقت الذي تسعى إيران لتصبح دولة نووية ، فتفرض نفسها لاعبا أساسيا بهذه القوة النووية ، وبالنفوذ في العراق ، والخليج ، وتحصل على أكبر قدر من المكاسب ، ولو على حساب الأمة ، بل لن يكون إلاّ على حسابها ، كما هي عادتهم الخبيثة في تاريخهم كلّه .

والمشروع الصهيوصليبي لاتخفى عليه أهداف هذا المشروع ولا خططـه وأطماعه الخاص بــه التي تعارض في جزء منها أطماع المشروع الصهيوصليبـــي ، ولكنه لايجد خيرا منه وقودا في حربه ضد الأمة ، كما وجدتـه ـ كذلك ـ كــلّّ المشاريع الغازية لأمتنا مــن قبله .

وهو يريد أن يُبقي هذا المشروع الإيراني غير نووي ، ليبقى في حدود أوراق لعبه ، يلعب بورقته في حرق الأمّة ، ثم يحرقها إن بدا له ذلك ، والمشروع الإيراني أيضا يبحث عن دور له داخل ووراء وبين يدي المشروع الصليبي ، وعن يمينه وشماله ، بكل مكر وخبث ودهــاء العقيدة الباطنية ، وكلا المشروعين يعرف لعبته ولعبة الأخر ضده ، ومعه ، وكلاهما ضد الأمّة ، وجميع ما يخفون وما يعلنون ، لا يخفى على رب هذه الأمّة المحمديّة " ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين " ، والعجب كيف وصف الله تعالى مكر أعداءها بهذا الوصــــف البليغ " وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال " ..

والخلاصة : أن هذا هو المشهد العام ، لاتخفى منه خافية ، إن انتصر المشروع الصيهوصليبي في العراق وحقق أهدافه :

فشر مواطن الدنيا بلاد ** يساكن أهلها فيه الكلاب

وإن انتصر المشروع الجهادي ـ وذلك كائن بإذن الله ـ فأبشروا بتغيـّر عالميّ لم يكن في حسبان أحد ، سيكون فيه للإسلام شأن عظيم ، وذلك كما استبشرنا ، وبشّرنــا بفشل المشروع الصهيوصليبي في العراق فيما مضى .

وأن هذا المشروع الجهادي الذي لم يوجد مثله ، في الأمّة على هذا المستوى من عقود طويلة ، سينمو ، وينضج ، ويعلو صرحه ، ويعظم أثره ، ويؤتي أكلــــه بإذن الله ، وها نحن نراه يتعاظم يوما بعد يوم ، ويسير بخطاه إلى أهدافه ، لايضعضعه سفك الدماء ، ولايضعفه استشهاد القادة ، ولايرده ما يصيبه من الخوف ، والجوع ، ونقص الأموال ، والأنفس والثمرات ..

فصدق الله وعده بما نرى من بشائر ذلك تأتي تترى ، إذ قيّض للجهاد من اختارهم لنصر دينهــــم وأمتهــــــم ، فلهم منّا بعد الله وحق لهم حمدا وشكــــرا ،،،



الكاتب: حامد بن عبدالله العلي
التاريخ: 07/12/2006