مصرع خرافة ( الليبراليّة ) اللادينية

 

مصرع خرافة ( الليبراليّة ) اللادينية

حامد بن عبد الله العلي

*لم يصدُق كاتب من غير المسلمين في كشف حقيقة المذهب (اللبرالي) كما صدَق الكتاب الأمريكي (RASSEL JACOBY) إذ وصفه قائلا (إنه ليس فقط مفتقدا تراثا كلاسيكيا واضحا ، بل مختلطا أيضا بالغموض والفضيحة ، ثم نقل كلمة في غاية الدقة ، عبر بها أحد كبار مؤرخي فرنســـا عن هذا المذهب : ( لقد كنا غير محظوظين ، بشكل استثنائي ، في اختيار هذا الشعار ، ومن الصعب أن تجد شعارا آخر أكثر ابتذالا وأقل لياقة منه بالتأكيد ، ليس ثمة شعار يمكن أن يكون نابيا وبلا دلالة مثله ، .. شعار ذو أصل حديث مبتذل ، لا علاقة له بأصل كلاسيكي .. شعار بلا مستدعيات أدبية أو تاريخية .. شعار مجرد تماما من أي صدى ديني أو أخلاقي .. شعار يمكن أن يعني التفكك وفق أهواء كل فرد .. وكل مواطن يحمل في قلبه مصالح وطنه ، لابد أن يأسف لسوء اختيار هذا الشعار الذي لا يلائم جمهورية عظيمة على الإطلاق ) .
THE END OF UTOPIA –NEW YORK 1999 – P45

*أتدرون لماذا يختلط هذا المذهب بالغموض والفضيحة ، وأنه مقطوع الأصل ، مجرد تماما من المستدعيات الأدبية والتاريخية ، ليس له أي صدى ديني أو أخلاقي ، لأنــه ـ وفي خدعة ماكرة ـ عندما يوهم الناس أنه يحررهم ، إنما ينقلهم فحسب من عبودية تقود إلى السعادة ، إلى عبودية تقود إلى الشقاء ، لانه ببساطة لايمكن أن يكون الإنسان غير عبد لأحد ، إما أن يعترف بعبوديته لخالقه ، وإلا صار عبدا لمخلوق مثله ، أو لشهواته وهواه ، واللبراليّة لاتصنع شيئا سوى نقله من حالة يرى الإنسان فيها نفسه مسؤولا أمام خالق سيلقاه فيحاسبه على قدر تمسكه بالشريعة التي أنزلها عليه ليستقيم .

*إلى حالة يرى الإنسان نفسه عبدا لهواه وشهوته ، أو لمخلوق جاهل مثله ، وهم مخترعو اللبرالية ، فكأن هذا المذهب يقول للناس : كونوا عبيدا لأهوائكم ، فإنه لاخالق لكم ، أو إن خالقكم خلقكم عبثا لا ليأمركم وينهاكم ، فكلّ يرى ما يرى ، ويقول ما يقول ، ويعتقد ما يعتقد ، ويحل ما يحل ، ويحرم ما يحرم ، عيشوا أيها الناس في هرج ومرج ، ازنوا ، واسكروا ، وامشوا عراة ، وارقصوا .. إلخ ، ولهذا قال تعالى ( بل كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في أمر مريج ) فالحق هو العبودية للخالق ، والأمر المريج هو (البرالية) بعينها .

*وغموضها يأتي من جهة اختلاف منظريها فيما بينهم ، واضطرابهم غاية الاضطراب ، وكل المؤمنين بها ، مقلدون لثلاثة من فلاسفة أوربا في قرون التخلف ، (هوبز) ، (وهيجل) ، (ولوك) ، كلهم منقادون إلى هؤلاء الثلاثة .
منقادون لهم : كبهيمة عجماء قاد زمامها ** أعمى على عوج الطريق الجائر

* ثم إنك إذا قرأت كلامهم ، وجدته متضاربا ، متناقضا ، غامضا ، تدخل حائرا ، وتخرج حائرا ، ما الذي يريده هؤلاء ؟ ... وإن كنت قد قرأت القرآن ، فستجد شفتاك تنطق بهذه الكلمات ..حقا إنهم : ( كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيـران ) أو تتذكر وصف الإمام احمد بن حنبل رحمه الله لأهل الكلام في عصـــــره ( مخالفون للحق ، مختلفون على الحق ، متفقون على مخالفة الحق ) .

* وهو مذهب اخترعه ملاحدة أوربا ، في عصر انتشار اللادينية ، بعد الثورة على الكنسية النصرانية المشركة ، ويزعم مخترعوه أن قطب رحاه هو الحرية ، إياها يعبدون ، ولها يركع ويسجدون ، وعجبا لأمر هذه الحريّة الزائفة ، التي يطالب بها من يطلقون على أنفسهم (الليبراليّون) في كل مكان من العالم .

* عجبــا لها ، مالها مبذولة لكلّ أحد ، وفي كلّ وقت ، وفي كلّ شيء ، إلاّ في حال واحدة فحسب ، إذا كانت في صالح المسلمين ، وأدت إلى إظهار الدعوة الإسلامية ، فهي حينئذ ممقوتة ، مسخوط عليها ، محاربة .

*وقد أسفرت عن سوءتها هذه ، من أول يوم حطّت فيه قدمهـا ـ لا مرحبا بها ـ بلاد المسلمين ، حين فرض (أتارتورك ) وهو أوّل من سنّ سنّة فصل الدين عن الحياة والدولة في أهل الإسلام ــ ومن سن سنة سيّئة ، فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة ــ حين فرض بدعة العلمانيّة على قومه.

*فقد أخذ من العلمانيّة اللادينيّة الغربيّة كلّ شيء في بادئ الأمر ، وأطلق الحرية في كلّ شيء ، إلاّ حريّة المسلمين في اختيار دينهم ، لأنه علم أن ذلك الأمر ، سيقلب عليه مخططه الخبيث رأسا على عقب ، ذلك أن لو ترك الترك آنذاك وحريتهم ، لاختاروا دينهم .

*وتأمل هذا التناقض المضحك المبكي : فقد بلغ به الأمر أن فرض معاقبة من يحول بين النساء وبين حريتهن في التعري ، لكنه لم يسمح بالحرية في أبسط الأمور المتعلقة بحياة الإنسان ، وهو ما يضع على رأسه من اللباس .

*ففرض على جميع الترك ، استبدال القبعة الأوربية بالطربوش ، مع أن القبعة تكون على رأس الأبله ، والمجنون ، والمتحضر، والهمجي ، ولا شأن لها بتكميل عقل ، ولاتحضير همجي ، وليس لها هذا الأثر الخطير على النهضة.

*غير أنه لم يكن يريد القبعة لذاتها ، بل كان يريد تربية الرأس المسلم على أن الغرب قبلتك ، فول وجهك شطرهم ، وخذ حسناتهم وسيئاتهم ، وما يحل وما يحرم ، حتى لو كانوا عُورا ، فاستطعت أن تكون مثلهم فافعل ، لقد أراد أن يسب العرب ودينهم ، وضاقت به الأساليب التي تظهر هذه العزيمة بوضوح ، فلم يف بذلك إلا هذا الأسلوب .

* واليوم في تركيا يعود هذا الدور في مصادرة حرية الشعب التركي ، الذي يتجه لدينه ، ويتمثل ذلك في إغلاق مدارس الشريعة ، وفصل الضباط المنتمين إلى أي شعار من الدين حتى الصلاة ، فصلهم من الجيش ، ومطاردة من ينشد حريته في عبادة ربه فحسب ، وكذلك يفعل دجالجة الليبرالية دعاة الحرية الزائفة في كل مكان .

*وفي المضمار نفسه ، يجري كل من يدين بدين (الليبرالية) ، أي الحرية فيما زعموا كذبا وزورا ، فهم يريدونها إذا كانت تنقل حياة الغرب بعجرها وبجرها إلينا ، ولا يريدونها إذا كانت تؤدي إلى تأدب المجتمع بآداب الإسلام وأخلاقه .

*أنهم يريدونها إن كانت تنشر الرذيلة ، والعري ، والعهر ، والكفر ، ويرفضونها ، إن كانت تلبس المجتمع لباس التقوى ، والفضيلة ، والحشمة ، والعفة .
*وهم يبتغونها إن كانت تمجد الإلحاد ، وتقدس مدارسه ، وتعلي رموزه ، ويشمئزون منها إن كانت تعظم الإيمان ، وتكرس مناهجه .

*وهم يهتفون لها إن قالت لمن يشوه الإسلام ، ويشكك في ثوابته ، وينكر محكماته ، ويستهزأ بشرائعه : إنه مفكر حر ، ومثقف مستنير ، ومتحرر من رق الرجعية ، وداع إلى التخلص من الظلامية .

*ويعرضون عنها ، إن كانت تأسس نهضة الأمّة على قرآنها ، وسنّة نبيّها ، وتاريخها المجيد .

*أما إن كان مفكروا الأمة يستلهمون نهضتها من دينها ، فهم ليسوا أحرارا ، انهم متطرّفون ، إرهابيّون ، أصوليّون ، ظلاميّون ، رجعيّون ، يتستّرون بالدين لمقاصد سياسيّة .

* فشعار مدعي الحريّة الذين يطلقون على أنفسهم ( ليبراليون ) هو : الحرية للجميع إلا لدعاة الإسلام ، وحقوق المسلمين ، إنها حلال لهم حرام على غيرهم.

*وهل يحق لنا أن نعجب من تناقض هذه العقيدة ، إن رأينا داعية الحرية في العالم ، وحاملة لوائها أمريكا ، نصيرة الشعوب المظلومة !! وأسوة(الليبراليين) العظمى !! تلعب هذا الدور بصورة سافرة كاشفة سوءتها لا تحتشم من حياء ، ولا تستتر من عفة .

*فهي في حين تتباهى بأنها حامية حمى الحرية في العالم ، تعيث في العالم فسادا وإفسادا ، وتعبث بكل ما تدعيه من قيم زائفة كبرا وعنادا ، وتفتح أبواب الدمار على الشعوب ، فتحشر عليهم ما لا يحصى جنودا وعتادا ، وتهلك الأبرياء بغير حساب ، وتستعبد بني آدم ، وتسوقهم قسرا إلى الخضوع لها ، وتفرض مبادئها العلمانية خيارا واحدا على العالمين ، قائلة : هذا أو الحصار والدمار .

*فإذاً ليس الغرض الذي يجـــدّ وراءه الليبراليون ، دعاة هذه الحرية الكاذبة الزائفة ، إخراج الناس من ذل العبوديّة إلى آفاق الحريّة ، كلّا بل تقويض هذا الدين ، وتفكيك مفاهيمه الأساسيّة في الفكر والمجتمع ، ومصادرة حقّ المسلمين في ظهور دينهم ، واسترداد حقوقهم.

*يريدون ليصرفوا عقولنا ، ويغيروا عقائدنا ، ويفسدوا آدابنا ، ويدخلونا في مساخط الله ، ويهجموا بنا على محارمه ، ويركبونا معاصيه ، ثم يتصرفون بعــدُ في هذه الأمة كما يشاءون .

*وهم في أنفسهم ـ أعني دعاة الليبراليّة ـ حيارى لا يعلمون ماذا يريدون ، وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون ، فهم في أمر مريج ، ومبادئهم مضطربة غاية الاضطراب ، ينظرون إلى الهدى الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم بريب وشك ، وقد أطلقوا عليه التراث ثم انقسموا فيما بينهم عزين ، فكروا وقدروا ، فقتلوا كيف قدروا ، ثم قتلوا كيف قدروا ، ثم عبسوا وبســـروا ، وتحيروا :

*بين أحياء التراث ورفضه ، وبين الانتقائية والتوفيقية إزاءه ، وما هو التراث ؟ وهل هو الدين فحسب ، وهل هو صيغة واحدة أم لكل فرقة في التراث تصوراتها الخاصة حول الدين ، هل يحمل التراث دعوة دينية منعزلة ، أم أيدلوجية شاملة انبثقت منها أيدلوجيات شتى ، هل سخر ويسخر التراث لخدمة النزعات الشخصية الزعامية الملكية ، أوالحزبية السياسية ، ما مدى خصوصيته أو تأثره بما قبله ، هل هو خير كله أم شر كله وما معايير التمييز بينهما أن كان جامعا لما ، ما علاقته باستقلالية الفكر وحيادية العلم ، وما مدى إمكانية استلهامه لإنجاز مشروع نهضوي كبير ، وما هو المنهج الذي يصاغ لمعالجة التراث وهل يعالج معالجة بنيوية أم تاريخية أم أيدلوجية ، هل نقرأ نصوصه قراءة مثالية من منطلق لاهوتي في إطار ثيولوجي غيبي ، أم قراءة تاريخية اجتماعية برؤية مادية ومنهج جدلي ماركسي ، هل العقيدة في التراث حلم طوبوي خرافي خيالي ، أم حقيقة ؟ هل يمكن صياغة برنامج إصلاح من التراث وكيف يكون ، ما هو النسبي والمطلق في التراث ، إشكالية الأصالة والمعاصرة فيه ، المعقول واللامعقول فيه.

*هل منحى أدونيس في رفض التراث رفضا باتا هو الحق ، أم منحى السلفية في إحياءه ، أم توفيق فريق حسن حنفي ، أم انتقائية زكي نجيب محمود ، أين الطريق وأين الهدى ؟؟

* تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ، ولا يزال بنيانهم الذين بنوا ريبة في قلوبهم ، وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون .

* ولا يزال جمعهم عاجزا عن وضع تصورات محددة المعالم لهذه التساؤلات ، ومتحيرا أو متناقضا في موقفه من التراث ، وهو الهدى الذي خص الله به هذه الأمة .

*وأنّى لهم أن لا يكونوا عاجزين ، وهم بين من لا يدري ماذا يريد ؟ ومن يخفي حقيقة ما يريد ، ومن يعلم شيئا واحدا فحسب هو مالا يريد ؟ غير أنهم مجمعون على أن مالا يريدونه هو مشروع التيار الإسلامي المتكامل وما يتفرع عنه من مشاريع جزئية توصل إليه ، مشروع ( وأن أقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لاتبديل لخلق الله ، ذلك الديّن القيّم ولكن أكثر الناس لا يعلمــــــون ).

* وقد ورث الذين اتَّبعوا ، حيرة الذين اتُّبعوا ، وتقطعت بهم السُبُل ، كما تقطعت بالذين من قبلهم ، من الأساتذة الكبار الذين كانوا أشد حيرة ، و أضل سبيلا ، وأعظم تناقضا فيما بينهم ، فأدونيس السافر ، ثم فؤاد زكريا ، وفرج فودة ، ونور فرحات ، ثم من هو أقرب إلى نور الإسلام ـ وهو منه بعيد ـ من أمثال زكي نجيب ، ومحمد عابد ، و حسن حنفي ، جميعهم حيارى يتنقلون من تيه إلى تيه ، ولا يهتدون إلى السبيل ، وإن قرأت ما يكتبون ، تذكرت قوله تعالـى ( كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران له أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنـــــا ، قل أن هدى الله هو الهدى ، وأمرنا لنسلم لرب العالمين).

*واخطر الأخطار ، أنهم في كل حين يؤكّدون ، بكيدهم الحثيث لإفساد هذا الدين ، ليلا ونهارا ، وسرا وجهارا ، أنهم صنيعة غربية ، دسُّوا ليؤدُّوا دورا مرسوما لهم ، ألا ترون أنهم لا يصنعون شيئا سوى إعاقة استلهام الأمة لنهضتها من دينها ، ومحاربة الداعين إلى هذا الاستلهام .

*فلعل هذا وحده هو الذي يفسِّر اضطراب أفكارهم ، وعدم استقرارهم على شيء ، لأنهم لا يريدون شيئا أصلا سوى أن يلغوا في هذا القرآن ، كما قال الحق ( وقال الذين كفروا لاتسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون ) .

* فهذه الحيّات الصغار ، وأمهم حيّة الليبرالية الكبيرة التي تريد أن تطوق العالم ، وتنفث فيه سمومها ، لهم هدف واحد ( يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون ، هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون )

الكاتب: حامد بن عبد الله العلي
التاريخ: 06/12/2006