شركات تدير إنقلابات والرعاية أمريكية

 

نيكولاس كوزلوف / ترجمة : محمد ابراهيم فقيرى 

الخليج الإماراتية  

2/8/ 2009م ـ يبدو ان ثمة شعوراً بالارتياح والابتهاج قد انتاب مجلس إدارة شركة شيكيتا للفواكه الامريكية عندما اطاح الجيش الهندوراسي بحكومة مانويل زيلايا المنتخبة ديمقراطياً . وكانت الشركة التي يقع مقرها الرئيسي في ولاية سينسيناتي أيدت حملة انتقاد حكومة زيلايا لأنها زادت الحد الأدنى للأجور في هندوراس 60%، وشكت من احتمالات فقدانها ملايين الدولارات بسبب خطة زيلايا الاصلاحية وسعيه لتحسين اجور العمال، لأن “شيكيتا” ستصبح مرغمة على زيادة أجور آلاف العمال الذين يعملون معها في زراعة وتعبئة الفواكه، خاصة الموز والأناناس، واستنجدت شيكيتا بمجلس الأعمال الهندوراسي، لأنه لم يكن سعيداً بقرار زيلايا المتعلق بالأجور . وقال أملسار بلنس رئيس المجلس إن أصحاب الأعمال سيصبحون مجبرين على تسريح عمالهم، وبالتالي زيادة البطالة في البلاد، إذا مضت الحكومة قدماً في مشروع زيادة الأجور . ويعتبر المجلس أهم وأكبر منظمة عمل في هندوراس ويضم اكثر من 60 جمعية وغرفة تجارة تمثل كل القطاعات في هندوراس .وقد طالب المجتمع الدولي بألا تفرض عقوبات ومقاطعة اقتصادية على صناع الانقلاب في هندوراس، لأن هذه المقاطعة ستفاقم المشاكل الاجتماعية .

واعلن بلنس رئيس المجلس تأييده لنظام روبرتو ميشيلتي الانقلابي، وقال ان الظروف السياسية في هندوراس ليست مواتية لعودة زيلايا من المنفى .
إن سعي “شيكيتا” للتحالف والتضامن مع القوى السياسية والاجتماعية الرجعية في هندوراس لم يكن مفاجئاً . وعلى سبيل المثال، قالت “كولسيبا” وهي الهيئة التي تنسق شؤون عمال المزارع في امريكا الجنوبية، ان الشركة تقاعست عن تزويد عمالها بتجهيزات الحماية الضرورية، وجرت أرجلها جراً عندما طلب منها التصديق على اتفاقيات عمالية جماعية لمصلحة العمال في نيكاراغوا وغواتيمالا وهندوراس .
وتقول كولسيبا ان ظروف واوضاع العمل والعمال الجهنمية في مزارع “شيكيتا” اشبه بمعسكرات الاعتقال النازية، وهذه المقارنة صحيحة الى حد ما، إذ ان النساء في مزارع الشركة في امريكا الوسطى، يعملن منذ السادسة والنصف صباحاً حتى السابعة ليلاً، وطوال عملهن يرتدين قفازات مطاطية تكاد تحرق أياديهن، وبعض العمال سنهم لم يتجاوز ال14 .
وطلب عمال مزارع الموز في امريكا الوسطى تعويضات من شركة “شيكيتا” لأنها جعلتهم يعملون في حقول بها مادة ال “DBCP” وهي مبيد حشرات خطر يسبب العقم والسرطان، وتشوهات الولادة للأطفال .
الشركة التي كانت تعرف سابقاً باسم شركة يونايتد للفاكهة، لديها تاريخ سياسي طويل وخسيس في امريكا الوسطى، ففي بدايات القرن العشرين، دخلت شركة “يونايتد” عالم تجارة الموز بقيادة سام زي موراي الذي كان يلقب ب”رجل الموز” وبحلول عشرينات القرن السابق، كانت يونايتد للفاكهة تسيطر على 650 ألف فدان من أخصب الأراضي في هندوراس . “حوالي ربع مساحة الأراضي الصالحة للزراعة” . وسيطرت الشركة كذلك على الطرق والسكك الحديدية .
وفي هندوراس، بسطت شركات الفاكهة نفوذها بطريقة اخطبوطية لتشمل كل مناحي الحياة، بما فيها العسكرية والسياسية، وضيقت هذه الشركات الخناق على كل من لم يتعاون معها .
بانانا جيت
وفي غواتيمالا، دعمت شركة يونايتد “شيكيتا” الانقلاب الذي دبرته وكالة الاستخبارات الأمريكية للإطاحة بالرئيس جاكوبو اربينز في 1954 وكان اربينز يحاول القيام بإصلاحات في نظام الأراضي . وأدت الإطاحة بأربينز إلى دخول غواتيمالا في دوامة حرب أهلية وفوضى استمرت أكثر من ثلاثين عاماً . وفي 1961 أعارت شركة يونايتد سفنها للمهاجرين والمنفيين الكوبيين الذين كانوا يسعون بدعم وتوجيه ال”سي .آي .إيه” للانقلاب على فيدل كاسترو في خليج الخنازير .

وفي 1972 دفعت يونايتد “شيكيتا حالياً” الجنرال أوزفالدو لوبيز أريلانو للسلطة في هندوراس، وفي ما بعد اضطر الدكتاتور “أريلانو” للاستقالة بعد تفجر فضيحة الموز “باناناجيت” التي كشفت تلقي أريلانو رشى من شركة يونايتد . وحينذاك اتهمت الشركة رسمياً بتقديم رشوة للجنرال أريلانو بمبلغ 1،25 مليون دولار .

وعدت شركة يونايتد الجنرال أريلانو ب 1،25 مليون دولار أخرى تعطى له لاحقاً، إذا وافق على تخفيض ضرائب صادرات الفاكهة .

وأثناء تفجر فضيحة “بانانا جيت” ألقى رئيس شركة “يونايتد” بنفسه من سطح ناطحة سحاب في نيويورك، فيما بدا انتحاراً .

ومثلما فعلت في هندوراس، اقتحمت شركة “يونايتد” عالم تجارة وزراعة الفاكهة في كولومبيا في بداية العشرينات من القرن الفائت، وكما هو حالها في هندوراس وأمريكا الوسطى، لم تشذ يونايتد عن سيرتها المدنسة بالخطايا .

ففي العام ،1928 نظم 3000 عامل اضراباً واعتصاماً ضد الشركة مطالبين بتحسين ظروف عملهم وأجورهم، وفي البداية رفضت الشركة مجرد التفاوض، ثم تراجعت لاحقاً ووافقت على بعض النقاط الصغيرة، واعتبرت مطالب العمال الأخرى “غير قانونية” أو “مستحيلة” وعندما رفض العمال المعتصمون إنهاء اعتصامهم، فتح الجيش الكولومبي النار عليهم، ولقي العشرات من عمال الموز مصرعهم .

بعد هذه الحادثة، قد تعتقد أن “شيكيتا” ربما تكون أعادت النظر أو راجعت سياساتها العمالية، لكن بدلاً من ذلك، أخذت الشركة في أواخر التسعينات تتحالف مع قوى باطنية، تحديداً منظمات يمينية شبه عسكرية متطرفة، وقد دفعت لرجال هذه المنظمات أكثر من مليون دولار . وأقرت الشركة حتى وهي تدافع عن نفسها- أنها دفعت هذه الأموال للمنظمات لحمايتها .

وفي 2007 دفعت 25 مليون دولار لإنهاء تسوية تحقيقات أجرتها وزارة العدل حول المبالغ التي سددتها شيكيتا للمنظمات الكولومبية . وبذلك أصبحت “شيكيتا” أول شركة في تاريخ الولايات المتحدة تتهم بمعاملات مالية مع منظمات إرهابية .

ضحايا المنظمات الإرهابية الكولومبية، أقاموا دعوى قضائية على الشركة واتهموها بأنها ساعدت وحرضت على مذابح شملت الإرهاب وجرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية . وقال محامي المدعين ان علاقة “شيكيتا” بالمنظمات المتطرفة كانت علاقة منافع متبادلة، نالت بموجبها السيطرة على كل ما يتعلق بتوزيع وبيع الموز بمساعدة سطوة الإرهاب
دعم الجمهوريين والديمقراطيين
في واشنطن، كان شارلز ليندنر الرئيس التنفيذي للشركة مشغولاً بالتقرب والتودد للبيت الأبيض . وليندنر كان من كبار المتبرعين الداعمين للحزب الجمهوري، لكنه بدل موقعه وبدأ ينفق بسخاء على الديمقراطيين وبيل كلينتون . ورد كلينتون الجميل لليندنر بأن أصبح داعماً عسكرياً مهماً لحكومة اندريس باسترانا الذي تسلم رئاسة الحكومة الكولومبية في نهاية التسعينات (حكم من 1998 حتى 2002) وحينذاك كانت الولايات المتحدة تعبد الطرق أمام سياسة التجارة الحرة التي سعت بشدة لتطبيقها في أمريكا اللاتينية، وهذه السياسة كان يشرف على تنفيذها صديق الطفولة القديم لكلينتون توماس ماكلارتي .

توماس ماكلارتي شخص ماكر، شغل في البيت الأبيض منصب كبير الموظفين، ومبعوثاً خاصاً لأمريكا اللاتينية
حلقة هولدر شيكيتا
إذا أخذنا في الاعتبار سجل “شيكيتا” الباطني في أمريكا الوسطى وكولومبيا، لن نفاجأ بسعي الشركة لاحقاً للتحالف مع مجلس الأعمال في هندوراس، وهي لا تكتفي بصنع تحالفات ولوبيات مع اتحادات وجمعيات التجارة والأعمال في هندوراس، بل تعمل بدأب أيضاً لتأسيس علاقات وثيقة مع شركات المحاماة والاستشارات القانونية التي تتمتع بنفوذ سلطوي هائل في واشنطن .
 
وفي هذا السياق، ذكر مركز “ريسبونسيف بوليتكس” ان شركة “شيكيتا” دفعت 70،000 دولار كرسوم وأتعاب “لوبي” وعلاقات عامة لشركة كوفينغتون وبيرلينغ على مدى الأعوام الثلاثة الفائتة .
 
وكوفينغتون شركة محاماة واستشارات قانونية لديها نفوذ قوي، وتقدم المشورة والنصح للشركات الدولية . اريك هولدر المدعي العام حالياً الذي عمل سابقاً نائباً للمدعى العام في عهد كلينتون، وكان أيضاً أحد مديري حملة أوباما الانتخابية، كان حتى وقت قريب شريكاً في مكتب كوفينغتون، وعندما كان هولدر في كوفينغتون، تولى الدفاع والترافع عن “شيكيتا” في قضيتها مع وزارة العدل . ومن مكتبه الفخم في بناية كوفينغتون الأنيقة الجديدة في مانهاتن بنيويورك، عقد هولدر لقاءات مع الرئيس التنفيذي لشيكيتا فرناندو أغويري، وكان الغرض تهيئة وإعداد أغويري لكي يكون مستعداً لتقديم اجابات ودفوعات مقنعة في مقابلته مع برنامج 60 دقيقة التلفزيوني الشهير، لأن مادة المقابلة ومحورها يدوران حول فرق ومنظمات الارهاب في كولومبيا .
 
وفي ما يخص هذه القضية قضية علاقة شركة “شيكيتا” مع منظمات الارهاب الكولومبية أقنع هولدر الشركة بأن تعترف بأنها “تورطت في معاملات مع منظمة توصف بالارهاب” . بيد ان هولدر الذي كان يتقاضى أجراً يصل إلى مليوني دولار من كوفينغتون، تمكن من مساعدة “شيكيتا” للتوصل إلى تسوية لهذه القضية، تدفع بموجبها 25 مليون دولار غرامة تقسط على خمس سنوات، وعلى الرغم من أن هذه التسوية الممتازة، والتي كانت بمثابة انتشال للشركة من أوحال هذه القضية، إلا أن الأمر المستغرب هو عدم تعرض أي مسؤول من مسؤولي شيكيتا لأي فترة اعتقال .
قضية كوفينغتون المثيرة
إذا أمعنت النظر جيداً، ودققت في التفاصيل بعمق، ستكتشف أن “كوفينغتون” لا تمثل “شيكيتا” فقط، بل تعمل أيضاً كحلقة وصل لليمين السياسي الذي يهدف إلى إرساء سياسة خارجية يهيمن عليها الصقور المتشددون في أمريكا اللاتينية . فقد أسست “كوفينينغتون” تحالفاً استراتيجياً مهماً مع وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر، الذي لعب دوراً بارزاً في الاطاحة بحكومة سلفادور الليندي المنتخبة في شيلي في ،1973 وكوفينغتون لديها علاقة وثيقة كذلك من ماكلارتي وشركاه، الشركة التي تقدم استشارات استراتيجية دولية .

في الفترة من 1974 1981 عمل جون بولتون في كوفينغتون . وعندما كان سفيراً للولايات المتحدة في الأمم المتحدة في عهد جورج بوش، كان بولتون ينتقد اليساريين في أمريكا اللاتينية، وقد طالت انتقاداته الشرسة لليسار، هوغو شافيز رئيس فنزويلا .

ومؤخراً أصبح جون نيغور بونتي نائباً لرئيس شركة “كوفينغتون”، ونيغرو بونتي، كما هو معروف كان نائباً لوزير الخارجية، وعمل أيضاً، مديراً للاستخبارات المحلية الأمريكية، وممثلاً للولايات المتحدة في الأمم المتحدة في الفترة من 1981 ،1985 كان نيغروبونتي سفيراً للولايات المتحدة في هندوراس، وحينذاك لعب دوراً بارزاً في مساعدة متمردي “الكونترا” الذين كانت الولايات المتحدة تدعمهم لقلب واقصاء النظام “الساندريني” في نيكاراغوا .

وعندما كان نيغرو بونتي سفيراً في هندوراس، تعرض لانتقادات عنيفة من منظمات حقوق الإنسان، لأنه تجاهل الانتهاكات التي ارتكبتها فرق الاغتيالات الهندرواسية، التي كانت الاستخبارات الأمريكية تمولها وتدربها .

وفي الواقع كان مبنى السفارة الأمريكية في تيغو سيغالبا، عاصمة هندوراس، مركزاً من مراكز ال “سي . آي . ايه” المهمة في أمريكا اللاتينية عندما كان نيغرو بونتي سفيراً، وحينذاك تضاعف عدد عناصر الاستخبارات الأمريكية عشر مرات .

وبالعودة إلى موضوع الانقلاب الأخير في هندوراس، يمكننا القول، إن الأدلة والبراهين الحاسمة التي تربط “شيكيتا” بهذا الانقلاب غير متوفرة .

ومع ذلك، لابد أن نذكر أنها أسست وتبنت علاقات وثيقة مع شخصيات وقوى سياسية من الوزن الثقيل، وهذه العلاقات المريبة تتطلب مزيداً من التحقيق والتدقيق حولها، فشيكيتا تقربت لمجلس الأعمال وكوفينغتون، ولها علاقة مع هولدر ونيغرو بونتي وماكلارتي . “شيكيتا” إذاً سعت لخلق أواصر مع “أصدقاء” في مناصب ومواقع مهمة وحساسة، أصدقاء لا يكنون أي ود ولا يتكيفون مع سياسات نظام زيلايا الموالية للعمال في هندوراس .

* كاتب متخصص في شؤون أمريكا اللاتينية ويكتب مقالات لموقع “كاونتر بانش”، و”زد نت”، وعمل سابقاً في صحف ومراكز سياسية في واشنطن، وله كتب حول الشؤون السياسية والاجتماعية في أمريكا الجنوبية .

التاريخ: 03/08/2009