أسئلة من أخت؟

 

السؤال:

فضيلة الشيخ عندي عدة أسئلة : الحمد لله أنا تحجبت ، وتنقبت ، وبدأت طريق الاستقامة ولكن عندي أسئلة ، في أخت محجبة لا اشعر بالميل إليها فأبتعد عنها ، هل علي شيء في ذلك ، وثانيا أنا أحب أن أكون لطيفة ومؤدبة ، لأنني عاطفية ، وأحيانا أكلم الرجال بطبيعة عملي ، وقالت لي أخت يجب أن تظهري خشونة في الكلام فهل هذا صحيح ؟
وثالثا : إني أدعو الله أن يرزقني الزوج الصالح ولكن أيضا أقول أنا مستعدة لو أن لله لم يقدر هذا في الدنيا بل في الآخرة ، وقالت لي أخت : يجب أن تتيقني الإجابة لان الحديث يقول إدعو الله و أنت موقنون بالإجابة ، وأخيرا قالت لي أخت إن النقاب مختلف فيه ، وأخذت تجادل في الحكمة منه ، فما هي الحكمة من النقاب راجية إجابة أسئلتي بارك الله فيكم

جواب الشيخ:

الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وبعد : ـ 

أما سؤالك الأول : فإن كنت تشعرين أن قلبيكما لم يتآلفا فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها ، الأرواح جنودٌ مجنّدة ، يكفي المسلم أن يؤدي لأخيه المسلم حقوقه ، أما تآلف القلوب وانسجام الطبائع وتلاقي الأرواح فهذا ليس مما يملكه الإنسان  ، وربّ إنسان يكون خفيفا على إنسان ،ثقيلا على غيره ، وخفة الروح ، وبشاشة النفس ،  نعمة ،والله يرزق نعمه من يشاء .

 

 ولا تثريب على المسلم أن يختار له في الصداقات الخاصة ، من يخفّ على نفسه ، ويلائم روحه وطباعه ، بل هذا من الحكمة ،  وحينئذ يعامله بعشرة المعروف التي ندب إليها الإسلام ، ثمّ للأخوّة العامة حقوق ، وللخاصّة حقوق ، ومن راعى الحقوق حفظ العلاقات ، ومن ضيعها ضاعت .

 

وأما الخطاب مع الجنس الأخر ، فليس المقصود ـ بلاريب ـ أن يكون الخطاب فظّا بين الجنسين ولا هذا من آداب الإسلام ، وقد قلت في وصف الخطاب بين الرجل والمرأة في منظومة قليلة الأبيات قديما : ـ

 

علاقة الإخوان بالأخوات **تحكمها ثلاث دائـرات

 

وفيها : ـ

لابأس باللطف في العبارة ** ماخلت من سيء الإشارة

 

غير أن  التوسّع في اللطافة خطأ ، يُفضي إلى التفات القلب إلى طلب ما وراء المجاملة البريئة إلى التعلّق العاطفـــــي

 

وقد قال تعالى : ( إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفًا ).

 

أي لا تتغنّج وتتكسّر في الكلام ، فتشعر من في قلبه مرض طلب الفواحش أنها رخيصة ، من ذوات الوضاعة ، منحطّة إلى استجابة ما يطلبه !

 

وينبغي أن يُعلم أن القلوب لاسيما تلك الرقراقة في مشاعرها ، سريعة التوجه العاطفي لاسيما إلى الجنس الآخر.

 

 وقد حصل بسبب سريان العاطفة بين الجنسين عبر الشبكات ،ووسائل الاتصال بصورة لم يسبق لها مثيل في التاريخ البشري ،حصل بسبب ذلك عواصف وأعاصير عاطفية تعصف كل ثانية من خلال شبكة الانترنت ،  ووسائل الاتصال الأخرى ،

 

 فما أشدّ تلك العواطف الحميمة التي تنتقل عبر أسلاك الهواتف ، وموجات الأثير كلّ ثانية حول العالم ،

 

 قد غدت أجواء العالم اليوم ، في سخونة عاطفية مستمرة !!فهي مثــل الاحتباس الحراري الذي يعاني منه الطقـس العام!

 

ومعلوم أن هذه هي شباك إبليس المفضّلة ، وعليها يقيم فخاخه ، وينصب شراكَه ،وأنه يترتب على ذلك إنحراف عن الشرع خطــير ، وما ضحيته سوى الفضيلة والعفـّـة ، اللذيْن هما الستار الواقعي للأخلاق الإسلامية ، والأخلاق في الإسلام مرتبطة بالعقيدة إرتباطا وثيقا ،

 

 فهما بمثابة طبقة الأوزون الذي تقي البشرية أخطارا ،  لاُيتصوّر مدى بشاعتها ، بل ستر العفة ، ودرع الفضيلة ، وحصن العقيدة ، وقلعة الأخلاق ،  أعظـم نفعا للبشرية من طبقة الأوزون ، بل من الماء ، والهواء ،  والشمس ، لو كانوا يعلمون .

 

ولهذا فالواجب الحذر عند التخاطب بين الجنسين ، وتجنب العبارات التي من شأنها الإشعار بطلب التفات قلب الجنس الاخر إلى كاتب العبارة إلتفاتا عاطفيــا.

 

والخلاصة : الذي ينبغي أن يكون خطاب المرأة للرجل ،  بعفوية الطهر ، وتحت رداء العفّة ،ومن وراء خمــار الحشمة الإسلامية ، فإن كان على هذا الأساس أضفى على الألفاظ ما يناسبها من الوقار ، والأدب ، والحياء ، والعكس بالعكس ، والألسنة كما قيل مغاريف القــلوب .

 

أما الدعاء والقلب موقن بالإجابة :

 

فلاحرج أن تدعي ربكّ ، بأن يرزقك الله الزوج الصالح ، مع  توطين النفس على الصبر إن لم يُكتب لك ذلك في الدنيا ، وعلى رجاءه في الآخرة،  بل هذا عين الرشاد والتوفيق

 

ثم إن حديث (ادعو الله وأنتم موقنون بالإجابة )لايصح إسناده.

 

وعلى فرض صحته لايعني أن الله لايستجيب غير هذا الدعاء ، كما سأبيّنه

 

فيكفي أن يكون في قلب الداعي أمران :ـ

 

رجاء الاستجابة من الله ، وكلما قوي الرجاء  ، كان أرجى للإجابة.

 

الأمر الثاني اليقين بقدرة الله على الإجابة ، وشمول فضله ،وإحاطة جوده ، وكرمه بكل سائل ، ومسألته.

 

أما اليقين فقد يقذفه الله في قلب العبد ، وقد تأتيه الإجابة وهو خائف وجل ، يقــول ( متى نصر الله ) .

 

فإن كان في القلب ذانك الأمران ،  ودعا بحضور قلب ،  وعظم الرجاء فيه ، وتحيّن أوقات وأحوال الإجابة ، وآداب الدعاء ،  وعظم تعلقه وتوكّله ، فغالبا غالبا لايعطيه الله كلّ هذه الكنوز ،  إلاّ وهو يريد أن يعطيه ما سأل.

 

ثم إذا كان المقصود بالإجابة  ( في الحديث السابق )  أي أن الله تعالى يعطي العبد  :  إما مسألته ، أو ثوابا على قدر ما سأل ،  أو يصرف عنه شرا نظير ما سأل ـ كما ورد في الحديث الصحيح ـ  فنعم يجب أن يتيقـّـن أن الله تعالى لابد أن يعطيه شيئا ،  فالله تعالى لا يرد داعيا قط إلا مااستُثنـي مثل آكل الحرام ، كما في الحديث (إن ربكم حيي كريم يستحي من عبده أن يرفع إليه يديه ، فردهما صفرا أو قال خائبتين ) خرجه أبو داود وغيره ،  وهذا أصلا ـ أعني آكل الحرام ونحوه ـ  لايحصل في قلبه اليقين بل يُحرم منــه، فاليقين أعظم نعمة ، والله تعالى لايعطي هذه النعم اللّدنية إلاّ لعباده المخلصين.

 

أما إذا كان المقصود أنه لايستجاب له إلا أن يكون متيقنا أن الله سيعطيه ماســأل ، فهذا المعنى يخالف الصواب ، لانّ النبي صلى الله عليه ، قد ذكر أصلا أن العبد إذا دعى ، قد يُعطى ما سأل ، وقد يعطى الثواب بدل ما سأل ، وقد يصرف عنه شــر .

 

وليس معنى الاستجابة من الله للدعاء ، أنـّه لابد أن يعطيه الله ما سأل ، فكيف يأمره أن يكون متيقّنا بأمر ، ثم يرشده إلى أنه قد لايعطاه ، بل يعوض عنه بالثواب ، أو صرف الشــر؟!

 

وأيضا فإنّ اليقين بشيء مستقبل ، أمره بيد الله تعالى وحده ،  قد يحدث وقد لايحدث ، لايمكن أن يُؤمر بـه العبد لأنه لايطيقه أصلا ، ولهذا هو أمر يقذفه الله في قلب من يختاره فيلهمه يقينا بما سيحدث أحيانا مثل المحدَّث الملهم ، وهذه منحة، وليست تكليفا.

 

والمقصود أن الحديث ـ إن صح ـ ليس معناه أنه كلّ داع لايستجاب له ، إلا إن تيقين أن الله سيعطيه ما طلبه ، هذا لايصح فهو معنى مشتمل على تناقض ،  ومخالف لنصوص أخرى.

 

أما النقاب

 

فصحيح أن العلماء تنازعوا في حكم تغطية المرأة لوجهها ، وأن المسألة اجتهادية ، غير أن أصح القولين الوجوب ، وعلى أية حال فالمنقبة أو المحجبة ترسل عدة رسائل إصلاحية ـ وهي حكمة الخمار ـ بخمارها منها :

 

أولا :  ترسل رسالة العفاف والفضيلة.

 

ثانيا : ترسل رسالة احترام الإسلام للمرأة ،  وأنها لاتسترخص نفسها فتجعل حسنها مبذولا لكلّ من يرغب في التمتع بالنظر !  بل ترى نفسها غالية عالية ليس لكلّ أحد أن يراها.

 

ثالثا : ترسلين رسالة الإنكار على التفسخ الأخلاقي ، وإظهار التحدي له، بعزم العقيدة الواثقة الصادقة.

 

رابعا : ترسل رسالة النظرة الإزدرائية للثقافة الغربية المنحلة، ورفضهـا.

 

خامسا : ترسل رسالة الاعتزاز بالإسلام ،والفخر بالهوية الإسلامية.

 

سادسا :  ترسل رسالة مفادها : أن الخطأ لاينقلب إلى صواب ، لمجرد كونه أمرا واقعا ،فالخطـأ لايكون  صوابا بفرض الأمر الواقع ، وعلى سبيل المثال :  التبرج ليس سوى شذوذ ، وإن كان منتشرا ، والستر والحشمة هي الأصل وإن كانت نادرة.

 

سابعا : ترسل الناس إلى زاوية السؤال عن مغزى النقاب ،فيؤدي بهم ذلك إلى معرفة قيم الإسلام.

 

فالخمار ليس مجرد غطاء للشعر أو الوجه ، إنه مشروع حضاري ، نعم إنه كذلك ،ولكن أكثر الناس لايعلمون .

 

ولهذا السبب رأت فرنسا في الخمـار الإسلامي ،  تحديا حضاريا كبيرا ، عندما دخلت الفتيات المسلمات  مدارسهن وسط مجتمع مادي منحل يحوّل المرأة إلى سلعة ووسيلة متعة، دخلن وهنّ يحملن الإعتزاز بحضارتهن ، وإظهار التحدي الواثق لزيف ما يسمى العالم الحـر!  فضاقت فرنسا ذرعا بهذه الحرية ، وزادت مرارة شعورها بالهزيمة الثقافية ، فكشفت عن سوءتها معلنة مصادرة حرية الإنسان في ممارسة شعائر دينه ، والدينونة بعقيدته ، فكانت رسالة الخمار الإسلامي العظمى ، إلحاق الفضيحة بالدعاوى الزائفة للعالم الغربي والحمد لله رب العالمين.

 

والله أعلم


الكاتب: سائل
التاريخ: 13/12/2006