هل صحيح أن الجهاد باطل إذا كانت الامة فيه بدع وشركيات وذنوب ؟

 

السؤال:

فضيلة الشيخ ما ردك على شخص قال في محاضرة : أن الجهاد لا يشرع ، إلا بعدما نخلص أمتنا من الشرك والبدع ، وأن الواجب أن نبدأ بالدعوة إلى التوحيد ، حتى تخلص الأمةمن الشرك ، ونؤجـل جهاد أعداءنا ، وأنه لا يشرع الجهاد إلا بعد نشر التوحيد في الأمة ، وزوال الشرك ، لأن الأمّة إن كان فيها شرك لاتنصر ، وأنها إن كانت تهزم بالمعصية فكيف بالشرك ؟ وقال إنه يجب البدء بالخطر الداخلي ، قبل الخارجي ، وقد قال هذا في محاضرة هذه الأيام عن موضوع الجهاد ، ونسب إلى ابن تيمية أنه كان يقدم الاهتمام بالخطر الداخلي على الخارجي وأن هذا منهجه ، وقد بلبل افكار الناس حول هذا الموضوع ، فالرجاء الرد والبيان بارك الله فيكم.

*********************

جواب الشيخ:

الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وبعد :

يقال لهذا المفتري على دين الله ، إن جهاد أمتنا المبارك اليوم ، إنما هو جهاد أعظم الشرك وهو شرك أهل الصليب والصهاينة ، وأنهم إن تسلطوا وهيمنوا على بلاد الإسلام ، فلن يبقى نوع من شرك ولا كفر إلا أظهروه ، وهل جاء بهم إلا الطاغوت الأكبر إبليس الداعي للشرك كله ؟!

ولنبيّن بطلان ما قاله ، إذ تمسّح بسيرة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ـ كما يفعل كثيرون من أهل التثبيط عن الجهاد هذه الأيام ـ نذكر أولا ، بحول الله ، لمحة عن تاريخ الغزو الصليبي لأمتنا ، ثم غزو التتار .

ونبيّن المرحلة التي عاشها شيخ الإسلام ابن تيميه ، وما أدركه من الحملتين ، وكيف كان موقفه منهما ، ثم نرد على من زعم أن الجهاد لا يشرع ، إلا بعدما تتخلص جميع أمتنا من الشرك والذنوب ، وأن الواجب أن نبدأ بالدعوة إلى التوحيد ، حتى تخلص الأمة كلها من الشرك ، وندع جهاد أعداءنا ، كما زعم هذا الجاهل .

فنقول وبالله التوفيق :

كان أول غزو الصليبين لبلاد المسلمين عام 462هـ ، على يد أرمانوس ملك الروم ، وكان عازما على إبادة الإسلام وأهله فيما زعم ، وأن يبدأ بالعراق ،ثم يميل إلى الشام ، ولكن الله سبحانه أخزاه وسلط عليه السلطان الإسلامي ألب أرسلان ،البداية و النهاية 12/101

ثم تلا ذلك من حملاتهم أيضا استيلاء الفرنج على إنطاكية عام 491هـ ، البداية والنهاية 12/155

ثم تحركوا على الساحل في الشام ومازالوا يأخذون الأرض حتى أخذوا بيت المقدس عام 492هـ

وقتلوا فيه ستين ألف مسلم وكانوا في ألف ألف مقاتل البداية والنهاية 12/163، 12/200، 12/224

ثم أعاد الله الكرة لأهل الإسلام على يد السلطان الملك الصالح نور الدين محمود ، فأعمل فيهم النكايات ، ولم يزل عازما على استعادت بيت المقدس ، لكن الأجل اخترمه ، وقد فتح كثيرا من الحصون ،
البداية والنهاية 12/288، 12/229 ، 12/248

ثم في عام 562 هـ ، أقبلت الفرنج في جحافل عظيمة إلى الديار المصرية ، وبلغ ذلك أسد الدين شيركوه ، فاستأذن نور الدين إلى العودة إلى الديار المصرية فسار إليها ومعه ابن أخيه صلاح الدين يوسف بن أيوب ، ولم يزل أسد الدين يجاهد ، ويحتال هناك حتى ملك الديار المصرية ، لكن ذلك كان تحت العاضد الفاطمي ، ومات أسد الدين عام 564هـ ، وتولى الوزارة صلاح الدين ، 12/255ـ 256

وشرع صلاح الدين في إصلاح أحوال مصر ، بعد تسلط الرافضة عليها ، فعزل القضاة الشيعة وولي السنة وقطع الأذان بحي على خير العمل ، وشرع في تمهيد الخطبة لبني العباس على المنابر ، البداية والنهاية 12/263

ولم يزل هو ونور الدين يحملان على الصليبين في حصونهم الساحلية ، وغيرها ، حتى مات نور الدين ،ولم يتم له ما تمناه من فتح بيت المقدس .

ثم إن صلاح الدين توجه إلى دمشق فملكها ، فحلب حماة وحمص ، المصدر السابق 12/288، وأخذ يلحق الهزائم بالصليبيين ويضيق عليهم الأرض ، حتى كانت وقعة حطين المشهورة بين عباد الصليب ، والملك الناصر صلاح الدين ، فنصره الله عليهم ، فتقتل منهم ثلاثين ألفا ، واسر ثلاثين ألفا ، ثم سار إلى طبرية ، فعكا ، فصيدا ، فبيروت ، يأخذها بلدا بلدا ، فغزة ، فعسقلان ، فنابلس ، فبيسان ، فأراضي الغور ، فملك ذلك كله ، المصدر السابق 12/346

لكن الصليبين توالت حملاتهم بعد ذلك ، يناجزون الجيوش الإسلامية ، لاسيما حول حصون الساحل ، واستمرت الحروب وكان أكبر همهم أخذ بيت المقدس ، السلطان صلاح الدين ، يقاومهم أشد المقاومة ، المصدر السابق 12/246

ومات صلاح الدين عام 589هـ ، وتولى أخوه العادل بعده ، وبقيت الحروب بين أهل الملة الإسلامية ، والصليبيين ، وصاروا يتعاقبون على أخذ الحصون

وبقي هذا الحال إلى أن ولد شيخ الإسلام ، تطمع الفرنج في ديار الإسلام كلما ضعف السلطان ، وافترق الملوك ، ويندحرون كلما قويت شوكة ملوك الإسلام ، وتعاونوا عليهم .
ولم يبلغ شيخ الإسلام الثلاثين من عمره وينضج علمه وفكره إلى الغاية ، حتى طرد الفرنج من جميع الساحل ، على يد الملك الأشرف خليل بن المنصور قلاوون 690هـ ، أو 693هـ

قال ابن كثير : " ولم يبق بالسواحل ولله الحمد معقل للفرنج إلا بأيدي المسلمين وأراح الله منهم البلاد والعباد ... ورجع علم الدين سنجر الشجاعي نائب دمشق إلى دمشق في سابع وعشرين الشهر المذكور ، وقد نظف السواحل من الفرنج بالكلية ولم يبق لهم بها حجر " البداية والنهاية 13/321

وكان شيخ الإسلام رحمه الله قد اشترك في معركة عكة ، وله إذ ذاك 28 عاما الكواكب الدراري 92

وإذا علمنا أن المجلس الذي عقد لشيخ الإسلام بسبب تأليفه الحموية كان عام 698هـ ، كما في البداية والنهاية 14/4 ، وأن الغالب أن يكون تأليفه لهذه الرسالة في ذلك العام ، كما ذكره الذهبي ( العقود الدرية 132) ، أو قريبا من ذلك ، وأن ذلك كان في أوائل شروعه في الرد على أهل البدع بالتصنيف ، لأنه ألف الواسطية بعد ذلك وعقد له مجالس بسببها عام 705هـ .

وبدأت معركة مع أهل البدع تاخذ منحى المواجهة المباشرة ، بين هذه الأعوام ، وبعدها ، كما قال ابن عبدالهادي " ألفها ـ يعني الحموية ـ الشيخ رحمه الله ، قبل سنة سبعمائة ، وعمره إذ ذاك دون الأربعين سنة ، ثم انفتح له بعد ذلك الرد على الفلاسفة ، والجهمية وسائر أهل الأهواء والبدع ما لا يوصف ولا يعبر عنه " العقود الدرية 67

إذا علمنا ذلك ، تبين جليا أن شيخ الإسلام شارك في الجهاد ضد الصليبين ، وقد شارك في حصار عكة كثير من الفقهاء من مختلف المذاهب ، وكان ذلك قبل أن يتفرغ شيخ الإسلام ابن تيمية للرد على أهل البدع ، فقد سبق جهاده للعدو الخارجي ، رده على العدو الداخلي ، كما يدل على ذلك التاريخ بوضوح ، مع أنه لاتعارض بين الأمرين ، فجهاد العدو الخارجي مقام ، والرد على أهل البدع والضلال مقام ، ولكل مقام مقال .

كما تبين أن هؤلاء الجهال ، يتكلمون بغير علم ، ويحرفون التاريخ ، بقصد صرف الناس عن جهاد المحتلين ، وأشغالهم بأمور أخرى ، وهي وإن كانت من الحق ، فالتحذير من أهل البدع والضلالة فريضة ، غير أن دفع العدو الكافر المحتل لبلاد الإسلام أولى الأوليات في حال وقوعه كما لا يختلف في ذلك العلماء .

هذا مع أن أهل السلطان في تلك الأيام قائمون بالجهاد ، فكيف إذا كانوا مضيعين له ، بل هم في معسكر أعداء الإسلام كما هو حال ما نرى .

----------

وأما التتر ، فكان أول غزوهم لبغداد عام 656 ، قتلوا فيها أكثر أهل بغداد ، والخليفة ، وكان ذلك على يد هولاكو خان بن تولي خان بن جنكيز خان ، وفي عام 658، أخذوا دمشق بالأمان لآهل البلد بلا مدافعة .

ثم وقعت موقعة عين جالوت المشهورة في هذه السنة ، وقد هزم فيها التتر هزيمة ساحقة ، على يد الملك المظفر ( قطز ) ، وقتل رئيس التتر كتبغاوين ، واتبع المسلمون فلول التتر يقتلونهم في كل موضع البداية والنهاية 13/220

وأرسل هولاكو خان تارة أخرى يريد بلاد الشام ، ولكن الملك الظاهر بيبرس قدم الشام بعد أن تولى الملك إثر مقتل قطز ، وعسكر في دمشق وأرسل العساكر في كل وجه فحفظ الثغور ، فلم يقدر التتر على الدنو إليه .

وبقي هولاكو خان طامعا في الشام ،ولكن يخشى من السلطان الظاهر بيبرس ، وقد سلط الله على هولاكو ابن عمه من ملوك التتر ( بركة خان ) ، وكان قد أسلم ، وأرسل إلى الملك الظاهر يدعوه إلى الإحاطة بهولاكو من ناحيتين ليخرجوه من البلاد .

ووعد الملك أن يعطيه كل ما كان تحت يد هولاكو من البلاد ، فسر الملك الظاهر بذلك ، فلم يلبث بركة خان حتى اقتتل هو وهولاكو مقتلة عظيمة ، وهزم هولاكو هزيمة فظيعة ، وذلك عام 661هـ ، وأرسل إليه الملك الظاهر هدايا عظيمة البداية والنهاية 13/239

وفي عام 663هـ ، أرسل المكل الظاهر جيشا عظيما إلى ناحية الفرات لطرد التتار النازلين بالبيرة ، فلما سمعوا بالعساكر قد أقبلت ولو مدبرين 13/244

وهلك هولاكو خان في هذا العام وتولى بعده أبغا ، فسار إليه ابن عم أبيه بركة خان فكسره ، وفرق جموعه 13/245

وكان عمر ابن تيميه في هذا العام سنتين .

وكان بركة خان هذا يحب العلماء والصالحين ، وكان من أكبر حسناته كسره لهولاكو ، وتفريقه لجنوده ، وكان يناصح الملك ويكرمه ، البداية والنهاية 13/349ومات سنة 665
وتولى بعده على سيرته منكوتمر من أهل بيته ، ثم صار بينه وبين أبغابن هولاكو ما كان بين بركة خان وهولاكو بحمد الله ، البداية والنهاية 13/255

وفي عام 667 هـ ، كان أول قدوم اين تيمية الشام صحبة أبيه وعمره ست سنوات ، ولم يمت الملك الظاهر عام 676هـ ، حتى انتزع بلادا كثيرة من أيدي التتر البداية والنهاية 13/275 ، واتسعت مملكته من الفرات حتى آخر بلاد النوبة 13/275هـ البداية والنهاية
وفي عام 680هـ، استدعى الملك المنصور قلاوون الجيوش لأجل اقتراب مجيء التتر ، فاجتمعت وتكاملت مجتمعة في حمص ، والتقى الجمعان ونصر الله المسلمين ، وتفرقت جموع التتر البداية والنهاية 13/295

وفي عام 681هـ أرسل ملك التتر يطلب المصالحة ، من الملك المنصور ، فأجيب إلى ذلك ، البداية والنهاية 13/299

وفي عام 683هـ جلس شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله للدرس بدار الحديث السكرية ، وكان عمره نحو عشرين عاما ، فأبهر الحاضرين درسه ، وحضر عنده شيخ الشافعية ، وابن المرحل ، ابن المنجا الحنبلي ، وغيرهم ، وأطنب الحاضرون في شكره ، ثم جلس في نفس العام في الجامع الأموي ، بعد صلاة الجمعة على منبر قد هيأ له ، لتفسير القرآن ، كان يأتي بالعجب البداية والنهاية 13/303هـ

ثم بعد هذه الفترة لم يكن للتتر شيء كبير من التأثير حتى عام 699هـ ، وهي وقعت غازان ، حيث تواترت الأخبار بقصد التتر لبلاد الشام ، وخرج لهم السلطان من مصر إلى الشام ، و التقوا في وادي الخزندار ، وهزم السلطان ورجعت العساكر إلى البلاد المصرية ، وتحرك قازان ملك التتر نحو الشام .

وكان قازان هذا يظهر الإسلام ، وكان مما قاله ابن تيمية له " أنت تزعم أنك مسلم ومعك مؤذنون وقاضي ، وإمام وشيخ على ما بلغنا ، فغزوتنا وبلغت بلادنا على ماذا ؟ وأبوك وجدك ، هولاكو كانا كافرين ...."

ثم كان لشيخ الإسلام مشاركة فعليه بالقتال ضد التتار في معركة " مرج الصفر " وهي معركة " شقحب " .

قال ابن كثير في حوادث سنة 702 هـ :

(وفي يوم السبت عاشر شعبان ضربت البشائر بالقلعة - أي قلعة دمشق - وعلى أبواب الأمراء بخروج السلطان من مصر لمناجزة التتار المخذولين.. وفي ثامن عشر من شعبان قدمت طائفة كبيرة من جيش المصريين، فيهم كبار الأمراء من أمثال ركن الدين بيبرس الجاشنكير وحسام الدين لاجين وسيف الدين كراي).

ثم قدمت بعدهم طائفة أخرى فيهم بدر الدين أمير السلاح وأيبك الخزندار. فقويت القلوب في دمشق، واطمأن كثير من الخلق، ولكنَّ الناس في الشمال سيطر عليهم الذعر، واستبدّ بهم الفزع فنزح عدد عظيم منهم من بلاد حلب وحماة وحمص.. ثم خافوا أن يدهمهم التتار فنزلوا إلى المرج.

ووصل التتار إلى حمص وبعلبك وعاثوا في تلك البلاد فساداً، وقلق الناس قلقاً عظيماً لتأخُّر قدوم السلطان ببقية الجيش، وخافوا خوفاً شديداً، وبدأت الأراجيف تنتشر وشرع المثبِّطون يوهنون عزائم المقاتلين ويقولون: لا طاقة لجيش الشام مع هؤلاء المصريين بلقاء التتار لقلة المسلمين وكثرة التتار. وزَيَّنوا للناس التراجعَ والتأخُّرَ عنهم مرحلة مرحلة. ولكن تأثير العلماء ولاسيما شيخ الإسلام ابن تيمية كان يتصدّى لهؤلاء المرجفين المثبّطين، حتى استطاعوا أن يقنعوا الأمراء بالتَّصدِّي للتتار مهما كان الحال.

واجتمع الأمراء وتعاهدوا وتحالفوا على لقاء العدوّ وشجَّعوا رعاياهم، ونوديَ بالبلد دمشق أن لا يرحل منه أحد، فسكن الناس وهدأت نفوسهم وجلس القضاة بالجامع يحلِّفون جماعة من الفقهاء والعامّة على القتال، وتوقّدت الحماسة الشعبية، وارتفعت الروح المعنوية عند العامة والجند. وكان لشيخ الإسلام ابن تيمية أعظم التأثير في ذلك الموقف، فقلد عمل على تهدئة النفوس، حتَّى كان الاستقرار الداخلي عند الناس والشعور بالأمن ورباطة الجأش. ثم عمل على إلهاب عواطف الأمة وإذكاء حماستها وتهيئتها لخوض معركة الخلاص.. ثمّ توجّه ابن تيمية بعد ذلك إلى العسكر الواصل من حماة فاجتمع بهم في القطيفة، فأعلمهم بما تحالف عليه الأمراء والناس من لقاء العدو، فأجابوا إلى ذلك وحلفوا معهم.

وكان شيخ الإسلام ابن تيمية يحلف للأمراء والناس: إنكم في هذه الكرّة منصورون. فيقول له الأمراء: قل إن شاء الله. فيقول: إن شاء الله تحقيقاً لا تعليقاً. وكان يتأوَّل في ذلك أشياء من كتاب الله منها قوله تعالى : (ذلك ومَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عوقِبَ بهِ ثمَّ بُغِيَ علَيهِ لَيَنْصُرُّنَّهُ اللهُ).

وقد ظهرت عند بعضهم شبهات تفُتُّ في عضد المحاربين للتتار من نحوِ قولهم: كيف نقاتل هؤلاء التتار وهم يظهرون الإسلام وليسوا بُغاة على الإمام.. فإنهم لم يكونوا في طاعته في وقت ثم خالفوه؟

فردَّ شيخ الإسلام ابن تيمية هذه الشُّبهة قائلاً: هؤلاء من جنس الخوارج الذين خرجوا على عليٍّ ومعاوية رضي الله عنهما، ورأوا أنهم أحقُّ بالأمر منهما، وهؤلاء يزعمون أنهم أحقّ بإقامة الحقّ من المسلمين وهم متلبِّسون بالمعاصي والظُّلْم. فانجلى الموقف وزالت الشبهة وتفطّن العلماء والناس لذلك ومضى يؤكّد لهم هذا الموقف قائلاً:

إذا رأيتموني في ذلك الجانب-يريد جانب العدوّ- وعلى رأسي مصحف فاقتلوني، فتشجّع
الناس في قتال التتار وقويت قلوبهم.

وامتلأت قلعة دمشق والبلد بالناس الوافدين، وازدحمت المنازل والطرق. وخرج الشيخ تقي الدين بن تيمية من دمشق صبيحة يوم الخميس من باب النصر بمشقّة كبيرة وصَحِبَتْهُ جماعة كبيرة يشهد القتال بنفسه وبمن معه.

فظنّ بعض الرعاع أنه خارج للفرار فقالوا: أنت منعتنا من الجفل وها أنت ذا هارب من البلد.. فلم يردّ عليهم إعراضاً عنهم وتواضعاً لله، ومضى في طريقه إلى ميدان المعركة.

وخرجت العساكر الشامية إلى ناحية قرية الكسْوة. ووصل التتار إلى قارَة. وقيل: إنهم وصلوا إلى القطيفة فانزعج الناس لذلك، وخافوا أن تكون العساكر قد هربوا، وانقطعت الآمال، وألحّ الناس في الدعاء والابتهال في الصلوات وفي كلّ حال. وذلك في يوم الخميس التاسع والعشرين من شعبان.. فلمَّا كان آخر هذا اليوم وصل أحد أمراء دمشق، فبشَّرَ الناس بأنَّ السلطان قد وصل وقتَ اجتماع العساكر المصرية والشامية.

وتابع التتار طريقهم من الشمال إلى الجنوب ولم يدخلوا دمشق بل عرجوا إلى ناحية تجمُّع العساكر، ولم يشغلوا أنفسهم باحتلال دمشق وقالوا: إن غلبنا فإنّ البلد لنا وإن غُلِبنا فلا حاجة لنا به.

ووقفت العساكر قريباً من قرية الكسوة، فجاء العسكر الشامي، وطلبوا من شيخ الإسلام أن يسير إلى السلطان يستحثُّه على السير إلى دمشق، فسارَ إليه، فحثّه على المجيء إلى دمشق بعد أن كاد يرجع إلى مصر. فجاء هو وإيّاه جميعاً، فسأله السلطان أن يقف معه في معركة القتال، فقال له الشيخ ابن تيمية: السُّنَّةُ أن يقف الرجُلُ تحت راية قومه، ونحن من جيش الشام لا نقف إلاَّ معهم.

وحرّض السلطان على القتال، وبشَّره بالنصر، وجعل يحلف بالله الذي لا إله إلاَّ هو: إنَّكم منصورون عليهم في هذه المرَّة. فيقول له الأمراء: قل إن شاء الله. فيقول: إن شاء الله تحقيقاً لا تعليقاً.

وأفتى الناسَ بالفطر مدّة قتالهم، وأفطر هو أيضاً وكان يدور على الأجناد والأمراء فيأكل من شي معه في يده ليعلِمهم أنَّ إفطارهم ليتقوَّوْا به على القتال أفضل من صيامهم.

ولقد نظَّم المسلمون جيشهم في يوم السبت 2 رمضان أحسن تنظيم، في سهل شقحب الذي يشرف على جبل غباغِب. وكان السلطان الناصر في القلب، ومعه الخليفة المستكفي بالله والقضاة والأمراء. وقبل بدء القتال اتُّخِذَت الاحتياطات اللازمة، فمرّ السلطان ومعه الخليفة والقرَّاء بين صفوف جيشه، يقصد تشجيعهم على القتال وبثِّ روح الحماسة فيهم. وكانوا يقرؤون آيات القرآن التي تحضُّ على الجهاد والاستشهاد وكان الخليفة يقول: دافعوا عن دينكم وعن حريمكم.

ووضِعت الأحمال وراء الصفوف، وأُمر الغلمان بقتل من يحاول الهرب من المعركة. ولمَّا اصطفَّت العساكر والتحم القتال ثبت السلطان ثباتاً عظيماً وأمر بجواده فقُيِّد حتى لا يهرب، وبايع اللهَ تعالى في ذلك الموقف يريد إحدى الحسنيين إما النصر وإما الشهادة في سبيل الله، وصدق الله فصدقه الله. وجرت خطوب عظيمة، وقُتِل جماعة من سادات الأمراء يومئذ، منهم الأمير حسام الدين لاجين الرومي، وثمانية من الأمراء المقدَّمين معه.

واحتدمت المعركة، وحمي الوطيس، واستحرّ القتل، واستطاع المغول في بادئ الأمر أن ينزلوا بالمسلمين خسارة ضخمة فقتِل من قتِل من الأمراء.. ولكن الحال لم يلبث أن تحوّل بفضل الله عزّ وجلّ، وثبت المسلمون أمام المغول، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وتغيَّر وجه المعركة وأصبحت الغلبة للمسلمين، حتّى أقبل الليل فتوقّف القتال إلاّ قليلاً، وطلع المغول إلى أعلى جبل غباغِب، وبقوا هناك طول الليل، ولما طلع النهار نزلوا يبغون الفرار بعد أن ترك لهم المسلمون ثغرة في الميسرة ليمرّوا منها، وقد تتّبعهم الجنود المسلمون وقتلوا منهم عدداً كبيراً، كما أنهم مرّوا بأرض موحِلة، وهلك كثيرون منهم فيها، وقُبض على بعضهم.

قال ابن كثير:
(فلما جاء الليل لجأ التتار إلى اقتحام التلول والجبال والآكام، فأحاط بهم المسلمون يحرسونهم من الهرب ويرمونهم عن قوس واحدة إلى وقت الفجر، فقتلوا منهم ما لا يعلم عدده إلاَّ الله عز وجل، وجعلوا يجيئون بهم من الجبال فتُضرب أعناقهم). ثم لحق المسلمون أثر المنهزمين إلى القريتين يقتلون منهم ويأسرون.

ووصل التتار إلى الفرات وهو في قوة زيادته فلم يقدروا على العبور.. والذي عبر فيه هلك. فساروا على جانبه إلى بغداد، فانقطع أكثرهم على شاطئ الفرات وأخذ العرب منهم جماعة كثيرة.

وفي يوم الاثنين رابع رمضان رجع الناس من الكسوة إلى دمشق فبشَّروا الناس بالنصر، وفيه دخل شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية البلد ومعه أصحابه من المجاهدين، ففرح الناس به، ودعوا له وهنّؤوه بما يسَّر الله على يديه من الخير.

وفي يوم الثلاثاء خامس رمضان دخل السلطان إلى دمشق وبين يديه الخليفة، وزُيِّنَتِ البلد، وبقِيا في دمشق إلى ثالث شوّال إذ عادا إلى الديار المصرية. وكان فرح السلطان الناصر محمد بن قلاوون والمسلمين بهذه المعركة فرحاً كبيراً، ودخل مصر دخول الظافر المنتصر، يتقدّم موكبَه الأسرى المغول يحملون في أعناقهم رؤوس زملائهم القتلى، واستُقبل استقبال الفاتحين "

فهذا كما حكى التاريخ مواقف شيخ الإسلام مع أعداء الأمّة الذين يغزونها ، لم يتوان قط في التصدي لهم ، ولم يقل إن تركهم والانشغال بالأخطار الداخلية هو الأولى مطلقا ، ولا يقول هذا إلا من يسعى في تحقيق أهداف أعداء الأمة فيها عافنا الله .

--------

أما قول الجاهـــل : " إنه لا يشرع الجهاد إلا بعد نشر التوحيد في الأمة ، وزوال الشرك كله ، لأن الأمّة إن كان فيها شرك لاتنصر ، وأنها إن كانت تهزم بالمعصية فكيف بالشرك " .

فهذه قد تكون كلمة حق أريد بها باطل ، فإن التوحيد هو أوجب الواجبات وأوّلها ، والأصل الأعظم ، والدين كلّـه قائم عليه ، غير أنه إنما يجب مع الجهاد ، كما في الحديث " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله " ، وإنما يتحقق التوحيد بقيام الموحدين بالجهاد في سبيله ، وقد كان الناس في زمن النبوة ، ينطقون الشهادتين ويجاهدون ، وربما بقيت فيهم بعض الجاهلية ، فيعلمون في الجهاد ما يجهلون ، كما في حديث " ذات أنواط " .

وقادة الجهاد والقائمون به ، يجب أن يحقّقوا التوحيد ، سواء قاموا بالجهاد ، في وجه أعداء الأمة الغزاة من خارجها ، وضــد المنتحلين دينها بالباطل من داخلها .

كما يجب أن يحققوا التقوى ، والإخلاص ، وإيثار الآخرة .

غير أن هذا لايعني أن الله تعالى لاينصر طائفة من الأمة قائمة بالتوحيد داعية إليه ، إن كان في غيرها من الطوائف شرك !! ولا أن الله تعالى لا ينصر الأمة قطّ إلاّ إن تخلّصت من جميع الذنوب ، والبدع ، فحتى جيش النبي صلى الله عليه وسلم كان فيه بعض المنافقين ، ومن قتل نفسه جزعا من الجراحة ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر وبأقوام لاخلاق لهم " فيــه ، وفيه من غلّ شملة فاشتعلت عليه نارا في قبره .

ولم تزل جيوش ملوك المسلمين تنصر وفيها ما فيها من المخالفات ، حتى اتفـــق العلماء : يجاهد مع كل أمام بر وفاجر ، ومعلوم أنه لايمكن أن يكون الجيش الذي قاتل فيه شيخ الإسلام في فتح عكة ضد الصليبين ، وكذا ضد التتر ، لايمكن أن يكون كلّه معصوما ليس فيه فساق وفجار ، مع ما يقع منهم من شرك بجهلهم ، وأما البدع الكثيرة فقد كانت منتشرة في تلك الأيام ، ولم يمنع ذلك من مشاركة العلماء في ذلك الجهاد .

وقد نصرهم الله تعالى فيه ، كما نصر هذه الأمة في مواطن كثيرة ، قد كان فيهأ بعض الملوك أقرب إلى الدين ممن يقاتله ، فينصره الله على عدوه ، مع ما فيه من الخطايـاوالخطيئــــات ، والمخالفة للكتاب والسنة ، بل البدع والمنكرات .

ويمكن أن يكون العبد فيه إسلام مشوب بغيره من الباطل ، فيُنصر ويؤيد على كافر خالص ، في أحوال تقتضي ذلك ، ومن طرائف ما ذكره شيخ الإسلام في هذا الباب عن شيخ من البطائحية الأحمدية الرفاعية ، وفيهم ما فيهم من البدع والضلالات ، قال " وحكى ذلك الشيخ أنه كان مرة عند بعض أمراء التتر بالمشرق وكان له صنم يعبده قال : فقال لي : هذا الصنم يأكل من هذا الطعام كل يوم ويبقى أثر الأكل في الطعام بينا يرى فيه فأنكرت ذلك فقال لي إن كان يأكل أنت تموت ؟ فقلت نعم قال فأقمت عنده إلى نصف النهار ولم يظهر في الطعام أثر فاستعظم ذلك التتري وأقسم بأيمان مغلظة أنه كل يوم يرى فيه أثر الأكل لكن اليوم بحضورك لم يظهر ذلك . فقلت لهذا الشيخ : أنا أبين لك سبب ذلك . ذلك التتري كافر مشرك ولصنمه شيطان يغويه بما يظهره من الأثر في الطعام وأنت كان معك من نور الإسلام وتأييد الله تعالى ما أوجب انصراف الشيطان عن أن يفعل ذلك بحضورك وأنت وأمثالك بالنسبة إلى أهل الإسلام الخالص كالتتري بالنسبة إلى أمثالك فالتتري وأمثاله سود وأهل الإسلام المحض بيض وأنتم بلق فيكم سواد وبياض . فأعجب هذا المثل من كان حاضرا " مجموع الفتاوى 11/448

فكم من بُلــق من ملوك المسلمين وجيوشهم نصروا على سود من أهل الشرك والكفر ، في تاريخ الإسلام العظيم .

وإنما ذكر الله تعالى احتباس النصر يوم أحد بسبب ما وقع من الصحابة ، ليبين اثر الذنوب في احتباس النصر ، ليحذر المؤمنون من الذنوب ، ولاريب أن لها أثرا ، لان النصر إنما يكون على قدر التقوى .

غير أن هذا لايعني أن الله تعالى لا يؤتي أهل الإسلام نصراُ على عدوهم بحسب ما فيهم من القيام لدينه .

أوأن الله تعالى لا ينصر أهل الإسلام على عدوّهم إلاّ إن تخلصوا من جميع الذنوب ، ولو كان كذلك لكان من تكليف المحال ، ولأدى إلى سقوط فرض الجهاد ، ولا يقول هذا عاقل فضلا عمن شمّ رائحة العلم ، أو عرف تاريخ الإسلام .

وفي التاريخ القريب نصر الله تعالى المسلمين الأفغان على الروس المحتلين مع ما كان في كثير منهــــم ، إذ ذاك من الطامات في العقيدة ، والبدع ، والسيئات ، والمنكرات .

غير انه لما كان فيها من القادة المخلصين ، وجنده الموحدين ، ورجاله المتقين ، وكانوا يقاتلون عدوا كافرا خبيثا باغيا ، فقد نصرهم الله تعالى على عدوهم .

وهؤلاء الذين انبثوا في الأمة هذه الأيام ـ كما يفعلون دائما عند حلول العدو أرض المسلمين ـ يثبطون أهل الجهاد بشتى الوسائل ، ويوضعون خلالهم يبغونهم الفتنة ، ويخوّفون المسلمين من أعداءهم ، ويبطلون جهاد أهل الجهـاد ، ويناصبونهم العداء ، ويصرفون المسلمين عنهم بمثل هذه الحجج الواهية ، كالتي ذكرت في هذا السؤال ، هم طائفة مشبوهة ، لها اتصالات مع العدو نفسه ، وتعمل له ، ولهذا فلا تراهم يجاهدون العدو الصليبي والصهيوني حتى بألسنتهم ، ولا يحرضون الأمة عليه ، بل يعملون عكس ذلك تماما ، مع ما يؤتيهم السلطان الخاضع للحملة الصليبية من مناصب ، ويخلع عليهم من هبات ، فهذا كلـه من أوضح الدلائـــل على أنهم طائفة مشبوهة ، مكمّلة لخطــط الاحتلال الصليبي ، نسأل الله تعالى أن يكفينا شرهم ، ويردهم على أعقابهم خائبين ، مع اليهود الصهاينة والنصارى الصليبيين ،،آمين .

والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا .

الكاتب: سائل
التاريخ: 13/12/2006