العمليات الاستشهادية ؟

 

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الأخ حامد العلي ...
نرجو التفضل بالإجابة عن هذه الفتوى , لصالح موقع إسلام أون لاين ...
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
أفتى بعض علماء المسلمين في العراق بعدم جواز العمليات الاستشهادية حاليا في العراق لـ "سهولة صيد المحتل دون إراقة دم العراقي".
فهل العمليات الاستشهادية مرهونة بعدم القدرة والنكاية في العدو إلا إذا تعينت طريقا، أما أنها مباحة دون شروط، بعبارة أخرى هل العلميات الاستشهادية ضرورة يأخذ بها من لا يقدر على عدوه إلا من خلالها، أم هي سلاح مباح يستخدم دون ضوابط .

********************

جواب الشيخ:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

الصحيح أن العمليات الاستشهادية ليست مما يصار إليه في حال الضرورة فحسب ، بل هي كما قال الامام أبو بكر بن العربي رحمه الله : ـ
بعد أن ذكر خلاف العلماء في اقتحام المجاهد على العساكر الكثيرة التي لاطاقة له بهم قال :

( والصحيح عندي جواز الاقتحام على العساكر لمن لاطاقة له بهم ، لان فيه أربعة وجوه : ـ
أ ـ طلب الشهادة
ب ـ وجود النكاية
ج ـ تجرئة المسلمين عليهم
د ـ ضعف نفوسهم ليروا أن هذا صنع واحد فما ظنك بالجمع ) أحكام القرآن لابن العربي 1/ 116
غير أنه لايخفى أيضا أنه يجب على المجاهدين أن يوازنوا بين مصلحة تحصيل النكاية في العدو ، والاثخان فيهم بأشد الوسائل تدميرا ، وبين توفير قوة الجهاد التي تتمثل بالقوة البشرية في الدرجة الاولى ، مع الاخذ كذلك بعين الاعتبار أن العمليات الاستشهادية كثيرا ما تكون عاملا مؤثرا في تسريع حسم المعركة لصالح المجاهدين ، وبالتالي توفير كثير من دماء المجاهدين ، فهي ليست بالضرورة ترفع معدل الخسائر البشرية في المجاهدين ، فالواجب عدم إهمال هذه الناحية المهمة أيضا عند الموازنة والترجيح ، وحينئذ فلايخفى أيضا أن أهل الجهاد في موضعهم أعلم بما يترجح من هذه المصالح من غيرهم فلايقدم عليهم أحد في هذا الشأن.ـ

هذا وقد دلت بعض النصوص على أن العلميات الاستشهادية من وسائل الجهاد المشروعة من غير اشتراط الضرورة فمن ذلك : ـ

ما رواه مسلم في آخر الصحيح من طريق هدبة بن خالد عن حماد بن سلمة عن ثابت عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب رضي الله عنه في ذكر قصة الملك والغلام وفيها : ـ

ثم قال للملك : إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به فإن أنت فعلت ما آمرك به قتلتني وإلا فإنك لا تستطيع قتلي قال وما هو ؟ قال تجمع الناس في صعيد واحد ثم تصلبني على جذع وتأخذ سهما من كنانتي ثم قل بسم الله رب الغلام فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني . ففعل ووضع السهم في كبد قوسه ثم رماه وقال بسم الله رب الغلام فوقع السهم في صدغه فوضع الغلام يده على موضع السهم ومات فقال الناس آمنا برب الغلام . فقيل للملك أرأيت ما كنت تحذر ؟ فقد والله نزل بك قد آمن الناس كلهم فأمر بأفواه السكك فخدت فيها الأخاديد وأضرمت فيها النيران وقال من رجع عن دينه فدعوه وإلا فأقحموه فيها قال فكانوا يتعادون فيها ويتدافعون فجاءت امرأة بابن لها ترضعه فكأنها تقاعست أن تقع في النار فقال الصبي اصبري يا أماه فإنك على الحق ) .ـ

ووجه الدلالة من موضعين :ـ

أحدهما أن الغلام دل الملك على كيفية قتله ، فقد أعان على قتل نفسه من إجل إحياء الدين ، فدل على جواز أن يسعى المجاهد في قتل نفسه لمصلحة جهادية راجحة .

الثاني : في قوله ( فكانوا يتعادون فيها ويتدافعون ) ، ذلك انهم كانوا يلقون أنفسهم في النار بفعل أنفسهم، إمعانا في الإصرار على الإيمان ، تحقيقا لمصلحة إذلال الطاغوت والنكاية به وإظهار النصر عليه .ـ

وفي مسند أحمد من حديث ابن عباس مرفوعا : (لما كانت الليلة التي أسري بي فيها، وجدت رائحة طيبة، فقلت: ما هذه الرائحة الطيبة يا جبريل؟ قال: هذه رائحة ماشطة بنت فرعون وأولادها، قلت: ما شأنها؟ قال: بينا هي تمشط بنت فرعون، إذ سقط المشط من يدها، فقالت؛ بسم الله، قالت بنت فرعون: أبي؟ فقالت: لا، ولكن ربي، وربك ورب أبيك الله، قالت: وإن لك ربا غير أبي؟ قالت: نعم، قالت: فأعلمه بذلك؟ قالت: نعم، فأعلمته بذلك، فدعا بها فقال: يا فلانة ألك رب غيري؟ قالت: نعم، ربي وربك الله الذي في السماء، فأمر ببقرة من نحاس فأحميت، ثم أخذ أولادها يلقون فيها واحدا واحدا، فقالت: إن لي إليك حاجة، قال: وما هي؟ قالت: أحب أن تجمع عظامي وعظام ولدي في ثوب واحد فتدقنا جميعا، قال: ذلك لك بما لك علينا من الحق، فلم يزل أولادها يلقون في البقرة حتى انتهى إلى ابن لها رضيع، فكأنها تقاعست من أجله، فقال لها: يا أمه اقتحمي؛ فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة فاقتحمت ) .ـ

ووجه الدلالة في قوله ( اقتحمي .. فاقتحمت ) فهي قد ألقت نفسها بنفسها إلى الموت ، في ذلك التنور ، لتحقيق الهدف نفسه الذي أراده أصحاب الأخدود، مع أنها تسببت في قتل أولادها معها أيضا ، لكن قـد اغتفر ذلك كله ، لتحصيل مصلحة أرجح ، وذلك تمثل بإصرارها على الإيمان وتحدي الطاغوت ، والشموخ أمامه بعزة التوحيد .ـ

والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا

الكاتب: سائل
التاريخ: 13/12/2006